عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٨٢ - مقام الشريف الرضي بين شعراء القرن الرابع
و ميدان تجول به خيول # تقود الدارعين و لا تقاد
ركبت به إلى اللذات طرفا [١] # له جسم و ليس له فؤاد
جرى فظننت أن الارض وجه # و دجلة ناظر و هو السّواد
و قد مضى السّلامي يبدع و يجيد حتى فتن أهل بغداد، و حتى استطاع أن يقول:
و فيهن سكرى اللحظ سكرى من الصّبا # تعاتب حلو اللفظ حلو الشمائل
أدارت علينا من سلاف حديثها # كؤوسا و غنّتنا بصوت الخلاخل
و استطاع أن يجيد وصف الزنابير التي تضجر أهل بغداد فيقول:
و لابس لون واحد و هو طائر # ملوّنة أبراده و هو واقع
أغرّ محشيّ الطيلسان مدبّج # و سود المنايا في حشاه ودائع
إذا حكّ أعلا رأسه فكأنما # بسالفتيه من يديه جوامع
يخاف إذا ولى و يؤمن مقبلا # و يخفي على الأقران ما هو صانع
بدا فارسيّ الزي يعقد خصره # عليه قباء زيّنته الوشائع [٢]
فمعجره الورديّ أحمر ناصع # و مئزره التبريّ أصفر فاقع
يرجّع ألحان الغريض و معبد # و يسقي كؤوسا ملؤها السم ناقع
و السّلامي هذا كان شغل أهل العراق في القرن الرابع فمنحوه لقب أمير الشعراء، فانظروا كيف كان يصح للشريف الرضي أن يسكت عن ضياع شعره، و هو أشعر من أمثال السلامي بلا جدال.
[١] الطرف بالكسر: الحصان.
[٢] الوشائع جمع وشيعة و هي الطريقة في البرد، من الوشع و هو زهر البقول.