عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ١٠١ - أعوام البؤس في حياة الشريف
إن ترد مورد القذى و هو راض # فبما يكرع الزلال النقاخا [١]
و العقاب الشّغواء اهبطها النّيق # و قد ارعت النجوم سماخا [٢]
اعجلتها المنون عنا و لكن # خلّفت في ديارنا افراخا
و على ذلك الزمان بهم عاد # غلاما من بعد ما كان شاخا
هذا كل ما استطاع الشريف ان يقوله يوم مات عضد الدولة، فهو يراه فنيقا هلك، و شهابا هوى، و جبلا ساخ، و لكنه يتخوف العواقب:
لان تلك العقاب تركت افراخا من الجوارح عاد بها الزمان غلاما بعد ان كان اكتهل و شاب.
و الواقع ان الشريف الرضي عجز عن اعلان الشماتة بالقصائد الطوال، لأن موت عضد الدولة احاطت به قوتان: قوة الرأي العام، و قوة ابنه صمصام الدولة.
اما قوة الرأي العام فتمثّلها الكلمات التي قالها اقطاب البيان في ذلك الحين و قد سجلها التوحيدي فقال: لما صحت وفاة عضد الدولة كنا عند ابي سليمان السجستاني، و كان القومسي حاضرا و النوشجاني و ابو القاسم غلام زحل و ابن المقداد و العروضي و الاندلسي و الصيمري فتذاكروا الكلمات العشر المشهورة التي قالها الحكماء العشرة عند وفاة الاسكندر.
فقال الاندلسي: لو تفوّه مجلسكم هذا بمثل هذه الكلمات لكان يؤثر عنكم.
فقال ابو سليمان: ما احسن ما بعثت عليه. اما انا فاقول: لقد وزن هذا الشخص الدنيا بغير مثقالها، و اعطاها فوق قيمتها، و حسبك انه
[١] يكرع: يعب. و النقاخ على وزن غراب: الماء البارد العذب الصافي.
[٢] العقاب بالضم طائر من الجوارح. و الشغواء: المختلفة نبت الاسنان بالطول و القصر و الدخول و الخروج، و هي تطلق على العقاب، و النيق بالكسر ارفع موضع في الجبل. و السماخ:
الارتفاع.