شرح البداية في علم الدراية - الشهيد الثاني - الصفحة ١٨ - بين يدَي الكتاب
وكَم حُمل على الرؤوس... وكَم حُمِلَ على رقاب أعوادٍ أرعبتها الخشية والقلق ، وهدَّها المرض ، وأضناها السهر ، وأتعبها التنقال ، وآلمها نكران الجميل ، وروَّعها تخلُّف الأحبَّة ؛ من ولِد وتلَد ، من أهل وأصدقاء وأبناء بلد ، بل وعلى عود متآكل عضَّـته أنياب السنين ، وقد ضاع منه فيما ضاع في هذه المحنة والمصيبة الكثير من نتاجات العمر وحصائله ، بل وعزَّ عليه مفارقةُ الوطن ، وإنْ كان الإسلام وبلد الإسلام كلُّه وطنا ، بل وشقَّ عليه مغادرة الوطن ؛ وطنِ الأنبياء ، ومراقدِ الأئمة ومدارس الأولياء ، وملاعِبَ دجلةَ والفرات.
ووطنٌ ، يا ماحلا العمر فيه ، وسما النضال من أجله... أرضٌ ، يا ماحلا التّجوال فيه ، وطاب العيش له... بلدٌ ، يا ما صفت فيه مودّة ، وسلمت فيه طويَّةٌ ، رغم النكبات والنكبات ، وطابت عنده أمّهات ، وأخوات زكيَّاتٌ مجاهدات...
أليس هو مضجع آدم ، ونوح ، وذي الكفل ، وعُزير ، ويونس...؟
إنَّه بلد الغري وكربلاء ، وأربيل وحدباء... إنَّه مقبرة العظماء ؛ من طوسيِّها ، وكُلينيُّها ، ومحقِّـقُّها ، وعلاَّمتها ، وجواهريُّها ، وأنصاريُّها ، وغيرهم لازالوا كثيرين كثيرين.
هو ـ والله ـ يا ما حَلا فيه شعر وكتاب وخطبة ، ويا ما حَنَّ قريض و(حسچه).
ـ ٢ ـ
إيه!! كلُّ هذا ، وهو بعضٌ مِن كل ، وهل يقوى بعضٌ من كل ، وهل يقوى بعضٌ على ذكر ذلك الكُل...؟
إيه! إيه! وبعد هذا ، كانت لنا إلى الشهيد عودة ؛ فعدنا نقلّب أوراقه ، ونُجدِّد تلك المأثرة الحديثيَّة ، بما يناسبها من جهد ، وبما يتَّسع لنا من مجهود . عدنا ، وكان من بين وريقات ذلك الزمان ؛ زمان الوصل والوداد ، زمان العراق ، وما أدراك ما العراق؟! زمان النجف الأشرف ومساجدها وحلقاتها...
كان من بين تلك الورقات ورقة تحمل تاريخ: ٢٥ شوَّال ، ١٣٨٩هـ ، ٦ كانون الأول ، ١٩٧٠م.