المغازي - الواقدي - الصفحة ٨٥٦
(١) فلا يقتلك إن شاء اللّه، فلم يرع رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )إلّا بعثمان، أخذ بيد عبد اللّه بن سعد بن أبى سرح واقفين بين يديه، فأقبل عثمان على النبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )فقال: يا رسول اللّه، إنّ أمّه كانت تحملني و تمشّيه، و ترضعنى و تقطعه، و كانت تلطفنى و تتركه، فهبه لى. فأعرض عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و جعل عثمان كلّما أعرض عنه النبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )بوجهه استقبله فيعيد عليه هذا الكلام، فإنما أعرض النبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )عنه إرادة أن يقوم رجل فيضرب عنقه، لأنه لم يؤمّنه، فلمّا رأى ألّا يقدم أحد، و عثمان قد أكبّ على رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )يقبّل رأسه و هو يقول: يا رسول اللّه، تبايعه فداك أبى و أمى! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: نعم. ثم التفت إلى أصحابه فقال:
ما منعكم أن يقوم رجل منكم إلى هذا الكلب فيقتله؟ أو قال: «الفاسق».
فقال عبّاد بن بشر: ألا أومأت إلىّ يا رسول اللّه؟ فو الذي بعثك بالحقّ إنى لأتبع طرفك من كلّ ناحية رجاء أن تشير إلىّ فأضرب عنقه. و يقال: قال هذا أبو اليسر، و يقال: عمر بن الخطّاب. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: إنى لا أقتل بالإشارة. و قائل يقول: إنّ النبي ( صلّى اللّه عليه و سلم )قال يومئذ: إنّ النبىّ لا تكون له خائنة الأعين [١]. فبايعه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فجعل يفرّ من رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )كلّما رآه، فقال عثمان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: بأبى [أنت] و أمّى، لو ترى ابن أمّ عبد اللّه يفرّ منك كلّما رآك! فتبسّم النبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )فقال:
أو لم أبايعه و أؤمّنه؟ قال: بلى أى رسول اللّه! و لكنه يتذكّر عظيم جرمه
____________
[١] أى يضمر فى نفسه غير ما يظهره، فإذا كف لسانه و أومأ بعينه فقد خان، و إذا كان ظهور تلك الحالة من قبل العين سميت خائنة الأعين. (النهاية، ج ٢، ص ٦).