المغازي - الواقدي - الصفحة ٨٠٨
(١) أعرضوا عنّى جميعا، فلقيني ابن أبى قحافة معرضا، و نظرت إلى عمر و يغرى بى رجلا من الأنصار، فألزّ [١] بى رجل يقول: يا عدوّ اللّه، أنت الذي كنت تؤذى رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )و تؤذى أصحابه قد بلغت مشارق الأرض و مغاربها فى عداوته! فرددت بعض الردّ عن نفسي، فاستطال علىّ، و رفع صوته حتى جعلني فى مثل الحرجة [٢] من الناس يسرّون بما يفعل بى.
قال: فدخلت على عمىّ العبّاس فقلت: يا عباس، قد كنت أرجو أن سيفرح رسول اللّه بإسلامى لقرابتي و شرفى، و قد كان منه ما كان رأيت، فكلّمه ليرضى عنّى! قال: لا و اللّه، لا أكلّمه كلمة فيك أبدا بعد الذي رأيت منه إلّا أن أرى وجها، إنى أجلّ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )و أهابه.
فقلت: يا عمّى إلى من تكلني؟ قال: هو ذاك. قال: فلقيت عليّا رحمة اللّه عليه فكلّمته فقال لى مثل ذلك، فرجعت إلى العبّاس فقلت:
يا عم فكفّ عنّى الرجل الذي يشتمني. قال: صفه لى. فقلت: هو رجل آدم [٣] شديد الأدمة، قصير، دحداح [٤]، بين عينيه شجّة. قال: ذاك نعمان بن الحارث النّجّارى. فأرسل إليه، فقال: يا نعمان، إنّ أبا سفيان ابن عمّ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )و ابن أخى، و إن يكن رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )ساخطا فسيرضى، فكفّ عنه، فبعد لأى ما كف. و قال: لا أعرض عنه. قال أبو سفيان: فخرجت فجلست على باب منزل رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )حتى خرج إلى الجحفة، و هو لا يكلّمني و لا أحد من المسلمين.
[١] ألز به: لصق به. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ١٩٠).
[٢] فى الأصل: «الحجر». و لعل الصواب ما أثبتناه. و الحرجة: الشجر الملتف. (النهاية، ج ١، ص ٢١٣).
[٣] الآدم من الناس: الأسمر. (الصحاح، ص ١٨٥٩).
[٤] دحداح: قصير. (الصحاح، ص ٣٦١).