المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه - الشعراني، أبو الحسن - الصفحة ٢٧٩ - «توسّط الأرض المغصوبة»
إلا بالخروج مستند إلى فعله الذى هو التوسط فلا يستلزم وجوبه. انتهى كلام العلّامة و هو كلام فصل. [١]
و الحاصل أنه يجوز أن يأمر المولى بشىء غير مقدور للمكلف فعلا إن كان مقدورا بشرط هو مقدور له، كأن يأمره بالحج لأنه قادر عليه بقدرته على السفر، و إن كان غير قادر عليه إن لم يسافر، و كذلك ينهى الجنب عن الكون فى المسجد الحرام و اللبث فى المساجد مطلقا و إن كان الكون فى الآن الثانى غير مقدور له إلا بعد حصول الكون فى الآن الأول.
و بالجملة إذا لبث الجنب فى المسجد فجميع أكوانه فيه محرم منهى عنه لقدرته على فعل الجميع و ترك الجميع بترك الدخول، و العبرة فى كون شىء مقدورا هو الشروع، و لذا قالوا: الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار. فإذا ألقى نفسه من شاهق فوقوعه على الأرض واقع باختياره.
و بهذا يجاب عن استدلال المجبرة بأن الفعل قبل الإرادة ممتنع و بعدها واجب فمتى يكون الاختيار؟ و الجواب أن الوجوب بالاختيار و الامتناع بالاختيار لا ينافيان الاختيار، و لذلك نقول: إن من صب ماءه المنحصر بعد وقت الصلاة و لم يتوضأ به عصى، لأن الشارع أمره بالوضوء المقدور له. فإن قيل كان الشارع عالما بعدم وجود الشرط و هو وجود الماء، و الأمر مع العلم بانتفاء الشرط محال. قلنا: نعم علم ذلك و أن صدور الوضوء منه ممتنع، لكن هذا الامتناع حصل باختياره فهو ممكن. و نظير ذلك ما قلنا من أن الواجب المشروط بأمر مقدور غير واجب حقيقة. و أما ما قيل من أن التخلّص من الغصب متوقف على التصرف بالخروج و مقدمة الواجب واجبة.
[١]- نهاية الاصول فى البحث الرابع فى امتناع اجتماع الامر و النهى من المقصد الثانى.