المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه - الشعراني، أبو الحسن - الصفحة ١٦٨ - الأول الواو العاطفة
منها خصال الكفارة إذا قيل هى «عتق رقبة مؤمنة» و «صيام شهرين متتابعين» و «إطعام ستين مسكينا»، فإن كانت للترتيب دل الكلام على أن الخصلة التالية إنما هى إذا عجز عن الخصلة المتقدمة، و إن كانت لمطلق الجمع دل على التخيير، و الأقوى أنها لمطلق الجمع، و هو مذهب أكثر النحاة.
و استدل عليه بصحة قولنا: تقابل زيد و عمرو، و جاء زيد و عمرو قبله، و الأصل فى الاستعمال الحقيقة.
و قيل إنها للترتيب، و هو مذهب ثعلب [١] و قطرب [٢] و ابى عمرو الزاهد [٣] و استدل عليه بحديث مسلم: إن خطيبا قام بين يدى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال: «من يطع اللّه و رسوله فقد رشد و من يعصهما فقد غوى» فقال (صلى اللّه عليه و آله): بئس الخطيب أنت. قل: «و من يعص اللّه و رسوله فقد غوى». [٤] و لو كان الواو لمطلق الجمع لم يكن بينهما فرق. و الحق أن الترتيب فى هذا الكلام غير متصور كما فى قوله: تقابل زيد و عمرو، لأن عصيان اللّه هو عصيان الرسول بعينه، و لكن مقصوده (صلى اللّه عليه و آله) أن فى إفراد ذكر اللّه تعظيما.
أقول: التقديم فى الذكر فى كلام الحكيم لغرض قطعا، لعدم جواز الترجيح من غير مرجح، و لكن ليس الغرض منحصرا فى الترتيب، بل قد يكون المقدم أكثر شيوعا أو أكمل صفة أو أهم. بحيث يريد المتكلم بيان حكمه قبل غيره، أو غير ذلك مما لا يحصى. و ليس هذا من خواص
[١]- ابو العباس احمد بن يحيى بن زيد النحوى، مات سنة ٢٩١.
[٢]- ابو على محمد بن المستنير البصرى النحوى، مات سنة ٢٠٦.
[٣]- ابو عمر الزاهد المطرّز المعروف بغلام ثعلب، مات سنة ٣٤٥.
[٤]- صحيح مسلم، الجزء الثانى ص ١٢.