المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه - الشعراني، أبو الحسن - الصفحة ١٧٠ - الثالث الباء
فيه الآية الكريمة: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ [١]. قال الشافعى: يجزى مسح بعض الرأس و لا يجب مسح الجميع فى الوضوء، و هذا مذهب الإمامية. و يدل عليه الباء فى قوله تعالى: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ، و لو كان المراد مسح جميع الرأس لقال تعالى:
وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ بدون الباء، و هو منقول عن بعض الأئمة (عليهم السلام). و خالف فيه الحنفية، و ما كان أبو حنيفة عارفا باللغة العربية. قال بعض أهل العلم على ما هو فى خاطرى و اظنه الإمام الرازى أن الباء الجارة بعد الفعل اللازم للإلصاق نحو كتبت بالقلم- و هذا المثال فعل متعد- و مررت بزيد، و بعد الفعل المتعدى إذا اضيف إلى المفعول به الذى يتعدى الفعل إليه بنفسه يكون للتبعيض و ذلك لأنه لا يحتاج المتعدى إلى الجار فى التعدية، فللباء فائدة اخرى و هى التبعيض.
و قيل الباء بعد الفعل المتعدى قد تكون زائدة كقوله تعالى: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [٢]، وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [٣]، و إنما قلنا: إذا اضيف إلى المفعول به، لأن الباء قد تدخل على الآلة فتكون للاستعانة كقولنا قطعت بالمنشار و كتبت بالقلم. و أنكر ابن جنّى ورود الباء للتبعيض و قال انه شىء لا يعرفه أهل اللغة، و ردّ بأن كثيرا منهم ذكر ذلك منهم الأصمعى و قال الشاعر:
فلثمت فاها آخذا بقرونها* * * شرب التريف ببرد ماء الحشرج
أقول: ورود الباء للتبعيض مما لا ينبغى أن يرتاب فيه، و ذلك لتبادره من الآية و الشعر المذكورين، و تصريح بعض أهل اللغة، و
[١]- سورة المائدة، الآية: ٦.
[٢]- سورة المؤمنون، الآية ٢٠.
[٣]- سورة البقرة، الآية: ١٩٥.