المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه - الشعراني، أبو الحسن - الصفحة ٢٧٦ - «مذهب الشيخ المحقّق الأنصاري
واحد إما أن يترجح المصلحة العبادية فيجب أن يحكم بالاستحباب محضا و يأمر بترجيح الفعل، و إما أن يترجح المفسدة فيجب على المولى الأمر بترجيح جانب الترك، و لا يمكن معه ترجيح جانب الفعل، مع أن العبادة لا تصح و لا تقع إلا راجحة، فكل عبادة قام الدليل على صحتها فلا بد أن يكون المولى بعد اعتبار الجهتين فيها رجح جانب المصلحة فيها و أمر بفعلها و إلا فلا يمكن صحتها مع ترجيح جانب تركها.
و بالجملة العلة التى لأجلها التزم الفقهاء بكون الكراهة فى العبادات كونها أقل ثوابا هى أنه لا يجوز أن يكلف المولى عبده بترجيح الفعل على الترك و بترجيح الترك على الفعل مع إجماعهم على صحة العبادات المكروهة و أن العبادة لا تصح إلا راجحا فعلها على تركها فلا تكون مكروهة.
و ما ذكره صاحب الفصول طريق للتخلص و إنما أعرض عنه الشيخ لما يتكرر فى كلامه من أن القربة لا يمكن أن تكون متعلقة لطلب المولى و أمره، و قد مضى الكلام فيه.
على أن لنا أن نقرر من وجه آخر و نقول: الترك الذى هو أرجح من فعل العبادة هو الكف، نظير الصوم، لا نفس أن لا يفعل، و لا يبعد أن يكون الكف و هو عبادة أرجح من عبادة اخرى، و كل منهما راجحا على ترك كليهما.
ثم اعلم أنه لا فرق فيما هو مناط الاستحالة بين العبادة المكروهة التى لها بدل كالصلاة فى الحمام و بين غيرها كالتنفل بعد العصر إذ لا يجوز اجتماع رجحان الفعل و رجحان الترك فى فعل واحد كان له بدل أو لا، كما أن وجود البياض و السواد فى هذا الجسم محال سواء وجد جسم آخر أو لا، و الظاهر أن رفع الاستحالة غير ممكن فيها مطلقا و لا محيص عما