المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه - الشعراني، أبو الحسن - الصفحة ٢٢٤ - «عدم كون الجاهل مكلّفا لا يستلزم التصويب»
قلنا: ليس كذلك، بل العلم بالحكم يتوقف على وجود الدليل، حتى يصير بعد العلم حكما كما مرّ نظيره.
و الحق أن مسألة التصويب و التخطئة من البحث عن أحوال الأدلة لا من بحث الأحكام حتى نبحث عنها فى المبادى الأحكامية، و سنبين إن شاء اللّه تحقيق الحق فيه فى محله، و المذهب الراجح عندنا أن ما لا نص فيه بخصوصه فعليه دليل فى الشرع من قاعدة كلية أو عموم أو أصل مجعول شرعا أو مقرر يجب متابعته، و ليس الأمر فيه مفوضا إلى رأى المجتهد، و قال بعض غلاة المخطئة- و هو بشر المريسى- [١] ليس فى الأحكام ما لا نص فيه بخصوصه، و لو طلبنا وجدنا الدليل اليقينى فى كل مسألة. و ربما تجد فى كلام بعض أهل الحديث أن فى كل شىء نصا خاصا صدر عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، لكنه خفى علينا للتقية و غلبة الجائرين، و هو مبالغة. و بعضهم قال: علّم اللّه تعالى الأئمة (عليهم السلام) جميع الأحكام لكنهم لم يبينوه للناس للتقية، و هذا غير معقول. و المصوبة تنكر جميع ذلك، و تقول: ما لا نص فيه بخصوصه فعدم الدليل فيه يدل على تفويض الأمر إلى المجتهدين.
فإن قلت: ورد فى الحديث إن الجاهل و العالم مشتركان فى الحكم و أن للّه تعالى فى كل واقعة حكما يشترك فيه الجاهل و العالم. [٢]
قلنا: أولا لا يرتبط هذا مع مسألة التصويب و التخطئة، و ثانيا
[١]- هو بشر بن غياث المريسى من أهل بغداد (ينسب إلى درب المريس) فقيه معتزلى يرمى بالزندقة. مات سنة ٢١٨.
[٢]- و يمكن ان يقال: المراد بقولهم إن للّه تعالى فى كل واقعة حكما انّ له فيها دليلا و اطلاق الحكم على الدليل مجازا ممكن باعتبار كونه كاشفا كاطلاق القول على الرأى، و النطق على العقل. منه ((قدس سره))