المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه - الشعراني، أبو الحسن - الصفحة ١٥٢ - «الأصل في الاستعمال الحقيقة»
اختصم إلىّ شخصان فى بئر فقال أحدهما: فطرها أبى أى اخترعها. [١] و قال الأصمعى: ما كنت أعرف الدهاق حتى سمعت جارية تقول: اسقنى دهاقا أى ملآنا. [٢] فاستدلوا بالاستعمال على الحقيقة. و لا ريب أن الناس لا يتواطئون على ترجيح شىء من غير علة مرجحة كامنة فى طباعهم سواء التفتوا إليها بحيث لو سئل عنهم أجابوا أم لم يلتفتوا،
و ما ذكر لترجيح الحقيقة وجوه:
الأول أن فائدة الوضع إعلام ما فى الضمير بلفظ موضوع له، و تحصيل فائدة الوضع يوجب حمل اللفظ على الحقيقة.
الثانى أنه لو تجرد عن القرينة فإما يحمل على حقيقة و هو المطلوب أو لا يحمل على شىء و هو باطل، أو على المجاز و هو محال، إذ شرط المجاز وجود القرينة الصارفة، و لو فرضنا أن الواضع أمر بحمله على المجاز مع عدم القرينة، كان ما فرضناه مجازا حقيقة و خرج عن محل الكلام.
الثالث أن الحقيقة تتوقف على امور أقل و المجاز على أكثر، فإن الحقيقة تتوقف على الوضع فقط، و المجاز على الوضع الأصلى و نقله إلى الفرع و علة النقل، و كل ما كان أقل شرطا كان أقل معاندا و أكثر وقوعا و هو دليل الأصالة.
الرابع أن الواضع اكتفى فى الدلالة فكأنه قال: إذا سمعتم منى كذا فافهموا كذا، فمن تابعة فى استعمال اللغة وجب أن يجرى على نهجه.
و لا يختلجن ببالك أن هذه امور واهية ضعيفة اعتمدوا عليها و ملئوا بها كتبهم و لا دليل على صحتها. و اعلم أن العلماء أعلى شأنا من أن
[١]- مجمع البحرين فى مادة: فطر.
[٢]- قال ابو الفتوح الرازى فى تفسيره ١١/ ٣٧٦: گويند مرد عجمى ابو هريره را پرسيد: دهاق چيست؟ ابو هريره به فارسى جواب داد: دمادم.