البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٥٩ - إسناد مؤدّى الأمارة إلى الشارع
على ثبوت الوجوب، فإن قلنا: إنّ المستفاد من دليل حجية الأمارة ليس إلا كونها حجة بلحاظ مدلولها المطابقي،- أي ثبوت الحكم و هو وجوب الدعاء عند رؤية الهلال دون مدلولها الالتزامي- فلا يمكن نفي الحرمة الأولى، لأن الإخبار عن مثل هذا الحكم الشرعي و إسناده إلى الشارع يحتمل أن يكون كذباً، و كون المدلول الالتزامي- و هو الإخبار عن الحكم الشرعي المدلول للأمارة- ليس كذباً لم يثبت، لا بالعلم؛ لعدم العلم بالمدلول المطابقي و هو الحكم الشرعي، و لا بالتعبد؛ لعدم القول بحجّية الأمارة بلحاظ مدلولها الالتزامي- أيضاً- بحسب الفرض، فلا نعلم بانتفاء الحرمة الأولى، لعدم العلم بنفي موضوعها.
و إن قلنا بأن المستفاد من دليل حجية الأمارة كونها حجة بلحاظ مدلولها المطابقي و الالتزامي معاً- كما هو الصحيح-، فيثبت ذلك المدلول الالتزامي تبعاً لثبوت المدلول المطابقي؛ لأن كل ما دل على شيء مطابقة يدل التزاماً على أن الإخبار عنه ليس كذباً، و قد تعبّدنا الشارع بصدور الحكم الشرعي منه بمقتضى دليل حجّية الأمارة، و حيث أنّ التعبد بالصدور تعبّد بلازمه و هو كون الإخبار عنه ليس كذباً، فتنتفي بذلك الحرمة الأولى لانتفاء موضوعها، و هو الكذب، فالإخبار عن ذلك الحكم الشرعي الثابت بالأمارة لا يكون كذباً بمقتضى دليل حجية الأمارة الذي يقتضي كونها حجة في إثبات المدلول المطابقي و الالتزامي على حد سواء. هذا بالنسبة للحرمة الأولى.
و أما بالنسبة للحرمة الثانية- أي: حرمة إسناد ما لا يعلم صدوره من الشارع إليه-، فموضوعها هو عدم العلم بالصدور، و حيث أنه في المقام محرز بالوجدان؛ لأنه لا علم لنا بأن وجوب الدعاء عند رؤية الهلال قد صدر حقاً من الشارع، لأن الأمارة قد تطابق الواقع و قد تخالفه، وعليه، فانتفاء هذه الحرمة يتوقف على أحد أمرين [١]:
الأول: الالتزام بأن الأمارة كما تقوم مقام القطع الطريقي بمقتضى دليل حجيتها، كذلك تقوم مقام القطع الموضوعي. و حيث أن القطع بالصدور موضوع لنفي هذه
[١] هذا ما أشار إليه بقوله: «فانتفاؤها يتوقف إمّا على استفادة قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي من دليل حجيتها، أو على إثبات مخصص لما دل على عدم جواز الإسناد بلا علم».