البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٨٧ - ثمرة البحث في الأحكام الوضعية
و الجواب: إنه على القول بأنها انتزاعية لا يمكن جريان الاستصحاب، و الوجه في ذلك هو أن ما كان من الأحكام التكليفية ثابتاً لمطلق الزوجة و بقطع النظر عن كونها بالغة أو غير بالغة كوجوب الإنفاق عليها- مثلًا- و التي هي منشأ انتزاع ذلك الحكم الوضعي بحسب الفرض، فهي بنفسها تكون مورداً للاستصحاب؛ لأنها متيقنة سابقاً و مشكوكة بقاءً فتستصحب بدون حاجة إلى إجراء الاستصحاب في الحكم الوضعي، فوجوب الإنفاق معلوم حدوثاً، للعلم بتحقق موضوعه و مشكوك بقاءً، للشك في بقاء موضوعه، فيستصحب بنفسه بلا حاجة إلى استصحاب نفس الزوجية. و ما كان منها ثابتاً لخصوص الزوجة البالغة من قبيل جواز الوطء فلا يمكن إثباته، لا عن طريق استصحاب نفس الحكم التكليفي أي: جواز الوطء؛ لأن الشك فيه ليس شكاً في البقاء بل هو شك في الحدوث؛ للعلم بعدم ثبوته قبل البلوغ، لأنّ موضوعه خصوص الزوجة البالغة لا مطلق الزوجة، و بعد البلوغ لم يعلم أنها زوجة، و ذلك للشك في طلاقها، فيكون الشك في جواز الوطء من الشك في الحدوث و ليس من الشك في البقاء. و كذلك لا يمكن إثباته عن طريق استصحاب نفس الحكم الوضعي أي: الزوجية؛ و ذلك لعدم تمامية أركان الاستصحاب فيه أيضاً، لأنّ مع فرض كونه منتزعاً عن الحكم التكليفي و هو جواز الوطء بحسب الفرض، فلا محالة يكون الشك في جواز الوطء موجباً للشك فيه أيضاً لأنه منتزع منه، و من الواضح أن الشك في منشأ الانتزاع يوجب الشك في ما ينتزع منه، و حيث أن الشك في جواز الوطء من الشك في الحدوث فيكون الشك في الزوجية من الشك في الحدوث أيضاً.
و أما على القول بأن الزوجية مجعولة بالاستقلال، فيمكن إثبات جواز الوطء المترتب عليها عن طريق استصحاب نفس الزوجية؛ لتمامية أركان الاستصحاب فيها و إن لم تكن تلك الأركان تامة بلحاظ نفس جواز الوطء، فالزوجية معلومة الحدوث و مشكوكة البقاء فتستصحب، و بالتالي يثبت جواز وطئها.
و لأجل هذا، نجد أن الفاضل التوني قد ذهب إلى التفصيل بين الأحكام الوضعية و الأحكام التكليفية من حيث عدم جريان الاستصحاب في الأولى و جريانه في الثانية، بحسب ما نسب إليه من دعوى أن الأحكام الوضعية انتزاعية و ليست مجعولة
بالاستقلال (١).
[١]
[١] (١) و قد استفاد المحقق النائيني من القول بأن الأحكام الوضعية- من قبيل الملكية و الحجية و غيرهما- مجعولة بالاستقلال و ليست منتزعة، في كيفية دفع شبهة التضاد بين الحكم الواقعي و الحكم الظاهري حيث قال في فوائده: ج ٣ ص ٥١٠، «أما في باب الطرق و الأمارات، فليس المجعول فيها حكماً تكليفياً حتى يلزم التضاد، بناءً على ما هو الحق عندنا من أن الحجية و الطريقية من الأحكام الوضعية المتأصلة بالجعل». فلاحظ وجه الارتباط بين المباحث الأصولية، و لا تغفل عن ذلك، و تذكر هذا الأمر عند البحث في الجمع بين الحكم الواقعي و الحكم الظاهري