البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٠ - التعريف الصحيح بنظر السيّد الشهيد
بمادة معينة دون مادة، فمثلًا ظهور (افعل) في الوجوب، تكون من العناصر المشتركة؛ لأنها تصلح لاستنباط أحكام شرعية عديدة سواء جاءت هذه الصيغة من مادة «صلاة» كقوله «صلّ»، أم من مادة «صيام» كقوله «صم»، أم من مادة «دعاء» كقوله «ادعُ»، أم من مادة «حج» كقوله «حِج» ... و غير ذلك من المواد الأخرى، و هكذا بقية المسائل الأصولية الأخرى من قبيل: «إيجاب شيء يستلزم إيجاب مقدمته»، فهي صالحة لأن تشترك في عمليات استنباطية كثيرة و لا تختص بباب دون باب، فمن هذه القاعدة يستنبط جعل الشارع لوجوب المقدمة مهما كانت تلك المقدمة و من أي مادة كان ذي المقدّمة، و هكذا.
و بهذا القيد يخرج كثير من المسائل اللغوية عن التعريف كظهور كلمة الصعيد و غيرها؛ لأن استنباط الحكم الشرعي منها إنّما يختص بحكم شرعي متعلّق بمادة
الصعيد، و لا ينفعنا في استنباط حكم شرعي غير متعلق بهذه المادة، و على هذا لا يكون عنصراً مشتركاً في عملية الاستدلال الفقهي، بل هو من العناصر الخاصّة التي ليس مجال بحثها علم الأصول، و إنما تبحث في علوم أخرى شأنها في ذلك شأن بقية العناصر الخاصة الأخرى كوثاقة الراوي و غيرها، و بهذا يتضح إنّ أصولية المسألة تتقوّم بمجموع أمرين:
الأول: كونها من العناصر المشتركة.
الثاني: كونها تقع في طريق استنباط جعل شرعي.
فما ليس من العناصر المشتركة، بل كان من العناصر الخاصة لا يكون من المسائل الأصولية قطعاً، و ما كان منها و لم يُستنبط منه جعل شرعي، بل كان من تطبيق الجعل الشرعي على موضوعه لا يكون من المسائل الأصولية أيضاً كما في بعض القواعد الفقهية [١]. فوصف القاعدة ب- «الاشتراك»، هو الذي أخرج مثل ظهور الصعيد و غيرها،
[١] اعلم أن ما يسمى بالقواعد الفقهية على قسمين:
الأول: ما ليس بقاعدة أصلًا و ذلك من قبيل «لا ضرر» بناءً على أن مفادها لا حكم ضرري في الإسلام كما ذهب إليه المشهور؛ لأنها حينئذ ليس إلّا مجموعة من التشريعات العدميّة جمعت بعبارة واحدة، و ليس مرجعها إلى حقيقة واحدة، بل هي عبارة عن عدة تشريعات عدميّة: كتشريع وجوب الوضوء في غير حالة الضرر، و تشريع وجوب الصلاة في غير حالة الضرر ... و غير ذلك. و الشارع جمع تلك التشريعات العدميّة بعبارة واحدة بقوله «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام». و هذه تخرج عن التعريف لأنها ليست قاعدة و ليست عنصراً فضلًا عن كونها مشتركة أم لا.
و الثاني: ما كان قاعدة بالمعنى الفني للقاعدة، من قبيل: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» أو قاعدة الفراغ أو أصالة الصحّة أو أصالة الطهارة، و هذه بدورها تنقسم إلى قسمين:
منها: ما يقع في طريق استنباط جعل شرعي من قبيل أصالة الطهارة الجارية في الشبهات الحكميّة عند الشك في حكم الشارع بنجاسة مائع معيّن مثلًا. و هذه تخرج بقيد الاشتراك لأنها ليست عنصراً مشتركاً بل يختص مجال الاستفادة منها بباب فقهي معيّن و هو باب الطهارة.
و منها: ما لا يقع في طريق استنباط جعل شرعي، من قبيل قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» و قاعدة الفراغ و الصحة، و هذه تخرج بالأمر الثاني المقوّم لأصولية المسألة و هو عبارة عن كونها واقعة في طريق استنباط جعل شرعي، لأن مثل هذه القواعد و إن كانت من العناصر المشتركة و لكن لا يستنبط منها جعل شرعي. أمّا القاعدة الأولى فقد تقدّم الكلام عنها، و أمّا ما يخصّ قاعدة الفراغ و الصحّة فلأنهما يجريان في الشبهات الموضوعيّة فقط دون الحكمية، فتكون نتيجتهما حكماً شرعياً جزئياً كما هو واضح.