البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٦٦ - المقام الثالث في بيان الكيفية المحققة لذلك
الخاص على الجعل الشرعي انتفى ذلك القيد؛ لأن الوجود نفي للعدم، و مع انتفاء القيد و عدم تحققه ينتفي المجعول.
و توضيح ذلك: إن الدليل على الجعل الشرعي، تارة يكون عقلياً و أخرى يكون سمعياً، و مثال الأول ما لو اكتشفنا جعل الشارع لوجوب الوضوء عن طريق الملازمة بين وجوب شيء و وجوب مقدمته شرعاً [١]، و مثال الثاني ما لو علمنا بذلك الجعل عن طريق آية أو رواية عن الإمام (ع) تقول- مثلًا-: (يجب عليك الوضوء لأجل الصلاة)، فلو افترضنا أن الشارع قيد وجوب الوضوء بعدم العلم بجعله من ناحية الدليل العقلي خاصة، بأن كان ثبوته مختصاً بحالة حصول العلم بجعله من ناحية الدليل السمعي، بمعنى: أن لا ينحصر العلم بالجعل الشرعي من ناحية الدليل العقلي خاصة، كما لو قال: (إذا علمت بوجوب الوضوء من ناحية الدليل العقلي خاصة فلا يجب عليك الوضوء، و إذا علمت به من آية أو رواية وجب عليك)، فلو افترضنا قيام الدليل العقلي خاصة على جعل الشارع لوجوب الوضوء من باب أنه مقدمة للصلاة الواجبة، و التزمنا بأنّ مقدمة الواجب واجبة بالوجوب الغيري، فلن يكون وجوب الوضوء حينئذٍ فعلياً على المكلف لانتفاء قيده و هو عدم انحصار العلم به من ناحية الدليل العقلي، و الحال أنّه قد قام الدليل العقلي خاصة- بمقتضى الفرض- على جعل وجوبه، و مع انتفاء المجعول فلا منجّزية، لأن المنجّزية من شئون المجعول لا الجعل؛ فإنّ الحكم ما لم يصبح فعلياً لا يتنجّز على المكلف، فالقطع بالمجعول إذن هو الذي يكون منجزاً لا القطع بالجعل.
و لا يتوهم أن هذا من سلب المنجّزية عن القطع بالحكم الشرعي، بل هو من الحيلولة دون حصول مثل هذا القطع؛ لأن القطع المنجّز إنما هو القطع بالمجعول لا
[١] المقصود بهذه الملازمة هو تلك التي يتم من خلالها استكشاف جعل الشارع لوجوب المقدّمة من جعله لذي المقدّمة، و هذه غير الملازمة التي يتم من خلالها استكشاف الوجوب العقلي للمقدّمة من خلال إيجاب الشارع لذي المقدّمة؛ فإنّ الأخيرة ليست إلّا حكم العقل بمسئولية المكلّف تجاه تلك المقدّمة و لزوم تحصيلها، و التي مجال بحثها عادة هو مسئولية المكلّف تجاه مقدّمات الواجب، بينما الأولى فمجال بحثها هو الوجوب الغيري، و سيأتي تفصيل ذلك في الدليل العقلي إن شاء الله تعالى.