البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٦١ - الفرق بين المتجري و العاصي
و من ارتكب ما يقطع بكونه حراماً، و كان حراماً في الواقع، سمي عاصياً.
فكل من المتجري و العاصي يستحق العقاب على المخالفة بحكم العقل [١]، فلا فرق بينهما من هذه الناحية؛ لأنّ انتهاكهما لحق الطاعة الثابت للمولى في مورد القطع على حد سواء، و لا دخل لكون المقطوع به ثابتاً في الواقع أو عدم كونه كذلك من ناحية ثبوت حق الطاعة و المنجزيّة و استحقاق العقاب على المخالفة.
و قد تقدم- سابقاً- أن سلب الحجية أو الردع عن العمل بالقطع مستحيل، من دون فرق- في استحالة ذلك- بين القطع المصيب و القطع غير المصيب؛ لأنّ أقصى ما يمكن فعله للمولى هو أن يجعل حكماً ظاهرياً ترخيصياً في مورد القطع بالتكليف، معبراً عن أهمية الأغراض الترخيصيّة على الأغراض الإلزامية في مورد القطع غير المصيب، و من المعلوم أن مثل هذا الترخيص لا يكون جاداً؛ لأنه يستحيل أن يؤثر في نفس القاطع بالتكليف؛ لأنه يرى قطعه مصيباً و لا يحتمل خلاف ذلك، و إلّا خرج عن كونه قاطعاً، وعليه، فهو لا يعتبر نفسه مقصوداً بهذا الترخيص، بل يعتبر أن مثل هذا الترخيص موجّه إلى من كان قطعه غير مصيب للواقع، فكل قاطع لا يرى أنَّهُ المقصود بذلك، فيكون جعل مثل هكذا حكم لغواً، و لا تكون لهُ أي فائدة تذكر، و هذا معنى استحالة سلب المنجزيّة عن القطع، و قد تقدّم ذلك مفصلًا.
فتبيَّن من كل ذلك، أن استحقاق العقاب على المخالفة فرع المنجزيّة، و ثبوت المنجزية في مورد فرعُ دخوله في حق الطاعة، و حيث إن القطع بالتكليف هو تمام
[١] و قد يقرّر حكم العقل باستحقاق المتجري للعقاب، بما ذكره الشيخ الأنصاري في فرائد الأصول ج ١ ص ١٠، أنه لو فرضنا شخصين قاطعين، أحدهما بكون مائع معيّن خمراً، و قطع الآخر بكون مائع آخر خمراً، فشرب كل منهما ما اعتقده خمراً، فاتفق مصادفة أحدهما للواقع و مخالفة الآخر، فإمّا أن يستحقّا العقاب، أو لا يستحق كل واحد منهما، أو يستحق المصادف دون غيره، أو العكس، و الثاني و الرابع بديهي البطلان، و أمّا الثالث، فباطل أيضاً؛ لاستلزامه إناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار؛ لانّ المصادفة و عدمها خارجة عن اختيار المكلّف، فتعيّن الأول، و هو المطلوب.