البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٥١ - قطع القطّاع
المبرّرات الموضوعيّة له مراتب، فقد يكون انحرافاً جزئياً بسيطاً، كما لو كانت المبرّرات التي يواجهها الشخص توجب تصديقاً بنسبة ٩٥%- مثلًا-، بينما حصل له القطع منها، فهذا أيضاً يُعدُّ انحرافاً عن الدرجة التي تفترضها المبرّرات الموضوعية، و لكنه انحراف جزئي بسيط قد ينغمس فيه كثير من الناس، و قد يكون انحرافاً كبيراً و بدرجة أكبر لا تتناسب مع المبرّرات الموضوعية التي يواجهها الشخص فيُعتبر حينئذ شذوذاً و خروجاً عن الحالة الطبيعية لمواجهة تلك المبرّرات، كما لو اخبر شخص بوفاة زيد، و كانت درجة الصدق في إخباره بنسبة السبعين في المائة، و لكن حصل للمخبر القطع بوفاة زيد اعتماداً على هذا الإخبار، فدرجة الانحراف هنا ستكون بنسبة ٣٠%، و هذه الثلاثون في المائة لا يوجد ما يبرّرها.
و قد تكون درجة الانحراف أكبر من ذلك، كما لو كانت نسبة الصدق في إخبار المخبر بدرجة ٥٠%، و لكن- مع ذلك- حصل القطع للمخبر اعتماداً على مثل هذا الإخبار، فدرجة الانحراف تكون بنسبة ٥٠%، و هكذا، و هذا مما يُعدُّ شذوذاً، و هو ما يُسمى بقطع القطاع.
فالقطّاع إذن، هو: ذلك الإنسان الذي يحصل لهُ قطع ذاتي و ينحرف- غالباً- في قطعه انحرافاً كبيراً عن الدرجة التي تفترضها المبرّرات الموضوعية، و ليس المراد من القطّاع من كان كثير القطع مطلقاً ليشمل مَنْ يحصل له اليقين كثيراً لكونه عالماً بالملازمات في غالب الأشياء و بثبوت ملزوماتها؛ فإنّ مثل هذا القطع، يكون معتمداً و مستنداً إلى ما يبرّره من العوامل الموضوعيّة، بل المراد به خصوص المعنى الذي ذكرناه [١].
[١] اعلم إن القطّاع في اللغة هو خصوص من كثر قطعه، سواء كان ذلك لأجل علمه بالملازمات في غالب الأشياء، أم كان ذلك لأجل ابتعاده عن المبرّرات الموضوعيّة و اعتماده على وسائل و طرق لا تورث القطع غالباً، فالقطّاع- بهذا المعنى- متقوّم بالكثرة، و هذا ممّا لا إشكال فيه.
و أمّا بالنسبة إلى المراد منه هنا و الذي يبحث عن حجّية قطعه، فهو غير متقوّم بالكثرة كما هو واضح؛ لأن البحث عن حجّية القطع غير المصيب بالمعنى الثاني، أي: القطع غير المستند إلى المبرّرات الموضوعيّة، و لكن لا مطلقاً، بل خصوص من كان مبتعداً و منحرفاً عن المبرّرات الموضوعيّة انحرافاً كبيراً بحيث يعتبر شذوذاً، فهو- بهذا المعنى- متقوّم بشيء واحد هو الابتعاد عن المبرّرات الموضوعيّة و الانحراف عنها انحرافاً كبيراً.
و إن أبيت ذلك و قلت: أنَّ تعبيرات بعض الأصوليين يظهر منها تقوّمه بالأمر الأول أيضاً، و هو: أن يكون كثير القطع، مضافاً إلى كونه منحرفاً في أغلب قطوعاته عن الدرجة التي تفرضها المبرّرات الموضوعية انحرافاً كبيراً غالباً. و لكن مع ذلك، فهذا لا يعني اختصاص البحث بمن كثر قطعه و كان منحرفاً انحرافاً كبيراً عن الدرجة التي تفرضها المبرّرات الموضوعيّة، بل هو شامل أيضاً لمَنْ انحرف في قطعه عن المبرّرات الموضوعيّة انحرافاً كبيراً و لو في مورد واحد.
و خلاصة القول: أننا لو نظرنا إلى واقع البحث عن حجّية قطع القطاع، لوجدنا أن المراد منه هنا من كان مبتعداً عن المبرّرات الموضوعيّة و منحرفاً عنها انحرافاً كبيراً، و لو حصل له ذلك في مورد واحد، و هذا يعني أن القطّاع الذي يبحث عن حجّية قطعه، ليس متقوماً بكثرة القطع.