البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٢٥ - العلم الإجمالي
صلاة ما في ظهر يوم الجمعة، و تردّدت هذه الصلاة بين كونها صلاة الظهر أو صلاة الجمعة، فهل يكون هذا العلم الإجمالي حجّة كالقطع التفصيلي أم لا [١]؟
و الصحيح أن القطع الإجمالي أو ما يسمى بالعلم الإجمالي حجة كالعلم التفصيلي، و هذا ممّا لا إشكال فيه، و لكن وقع الكلام في أنه هل ينجز حرمة المخالفة القطعية فقط؟ أم إنه ينجز حرمة المخالفة الاحتمالية المساوق لإيجاب الموافقة القطعية أيضاً، و ذلك لأنّ منجّزيّة العلم الإجمالي لها مرحلتان:
الأولى: مرحلة المنع عن المخالفة القطعية، أي: تنجيزه لحرمة المخالفة القطعية و التي تحصل بترك كل أطراف العلم الإجمالي، كما في ترك كلتا الصلاتين معاً في المثال المذكور، و هذا ما يسمى بالمخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال؛ لأنه إن كان الواقع صلاة الظهر، فقد خالفها قطعاً، و إن كان الواقع هو صلاة الجمعة، فكذلك؛ لأنه ترك بحسب الفرض كلتا الصلاتين معاً.
[١] اعلم أنه قد وقع الخلاف بين المحققين في الفرق بين العلم الإجمالي و العلم التفصيلي، و هل أن الفرق بينهما من ناحية نفس العلم مع وحدة المعلوم فيهما؟ أو من ناحية المعلوم الخارجي الذي تعلّق به العلم من دون أن يكون بينهما فرق من ناحية العلم؟
ذهب المحقق العراقي- كما في نهاية الافكار: ج ٣ ص ٣٠٩- إلى الأول، و هو أن العلم سواء أ كان اجمالياً أم تفصيلياً يتعلّق بالواقع، إلّا أن الفرق بينهما في نفس العلم و الانكشاف، فقد يكون الانكشاف انكشافاً تاماً و تفصيلياً و هذا هو العلم التفصيلي، و قد يكون انكشافاً مجملًا و غير واضح و هذا هو العلم الإجمالي، و مثال ذلك: ما لو افترضنا أن شخصين يريان جسماً، أحدهما يراه من قريب و يشخّصه، و آخر يراه من بعيد و لا يدري هل هو إنسان أو حيوان أو غير ذلك، فكل من هذين الشخصين يتعلق إحساسهما بالواقع، لكن أحدهما إحساس تفصيلي، و الآخر إجمالي و مشوّش.
و ذهب المحقق النائيني إلى أن الفرق بينهما ليس بلحاظ نفس العلم؛ لأنّ العلم لا إجمال فيه، بل هو تمام الانكشاف، غايته أن المعلوم الذي تعلق به العلم، تارة يكون بنحو التفصيل الذي لا ترديد فيه فيسمى بالعلم التفصيلي، كعلمنا بوجوب صلاة الظهر، و أخرى يكون المعلوم مردداً بين طرفين أو أطراف و يسمى بالعلم الإجمالي، كعلمنا بوجوب صلاة إما الظهر أو الجمعة، و قد قال في فوائد الأصول ج ٢ ص ٧٥: «أن التكليف في موارد العلم الإجمالي واصل إلى المكلّف و محرز لديه، و الإجمال إنّما يكون في المتعلّق، و إلّا فنفس التكليف و الإلزام معلوم تفصيلًا».