البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٢٢ - ثانياً الإجابة على تصورهم بالنسبة إلى عدم إمكان الردع عنه
معصية فيما لو لم يرخص المولى نفسه في المخالفة، فلو رخَّص في المخالفة، لا تكون المخالفة حينئذ معصية، وعليه، فحكم العقل بكون مخالفة التكليف معصية قبيحة عقلًا، و بالتالي بكون الترخيص في المخالفة مناقضاً لحكم العقل لكونه ترخيصاً في القبيح، فرع أن يكون حق الطاعة مطلقاً و غير معلَّق أو متوقِّف على عدم ورود الترخيص، و أما إذا كان كذلك، فالعقل إنما يحكم بقبح المخالفة لكونها معصية، إذا لم يرد مثل هذا الترخيص، و أما لو ورد مثل هذا الترخيص، فلا تكون المخالفة معصية، و لا يحكم العقل بالقبح؛ و ذلك لانتفاء موضوعه الذي هو- بحسب الفرض- عدم ورود الترخيص، و قد ورد.
و بعبارة أخرى: إنَّ حكم العقل بقبح مخالفة التكليف، فرع ثبوت حق الطاعة للمولى في مورد ذلك التكليف، و ثبوت حق الطاعة في مورد التكليف، فرع عدم الترخيص في المخالفة؛ لوضوح أن من له الحق، يستطيع أن يسقط حقه، و إذا رخص هو في المخالفة، سقط حق الطاعة فيه؛ لأنّ من يرخص بصورة جادة في مخالفة تكليف له، لا يمكن له أن يطالب بحق الطاعة فيه، و مع سقوط حق الطاعة، لا يبقى موضوع لحكم العقل بقبح المخالفة [١].
و بناءً على ذلك ينبغي أن ينصب البحث على أنه هل يمكن أن يرد ترخيص بحيث يكون ترخيصاً جاداً و منسجماً مع الأحكام الواقعية أو لا؟ و نحن قد أثبتنا سابقاً أنّ مثل هذا الترخيص غير ممكن [٢].
[١] بل لا يبقى موضوع للمخالفة أصلًا فضلًا عن كونها قبيحة؛ لأنّ صدق المخالفة فرع ثبوت حق الطاعة، و مع سقوط حق الطاعة تنتفي المخالفة؛ لأنّ من كان له حق على غيره و أسقطه بنفسه، لا يبقى له شيء في عهدة ذلك الغير حتى نقول إنه وافقه أو خالفه، فالكلام عن المخالفة و قبحها يصبح من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع
[٢] قد تسأل و تقول: إن الموقف على كلا الاتجاهين واحد، و هو عدم إمكان صدور الترخيص في المخالفة في موارد القطع بالتكليف، سواء قلنا إنّه ترخيص في القبيح و هو ممتنع كما عليه المشهور، أم قلنا بأنه لا يكون ترخيصاً جاداً، لأنّ كل قاطع لا يعتبر نفسه هو المقصود جداً بهذا الترخيص، فما هي الثمرة بين القولين؟
فنقول: إن هناك ثمرة تترتب على القولين و إن كانت النتيجة هنا واحدة؛ و ذلك: أنه إن بنينا على ما ذهب إليه المشهور، امتنع جريان الأصول المرخصة في كل أطراف العلم الإجمالي؛ لأنه يؤدي إلى الترخيص في المخالفة القطعية، و هي معصية و قبيحة، فيكون ترخيصاً في القبيح و هو ممتنع، و إن بنينا على ما ذهب إليه السيد الشهيد، أمكن جريان الأصول المؤمنة في كل أطراف العلم الإجمالي؛ لأنه سوف يكون ترخيصاً جاداً و منسجماً مع التكاليف الواقعية، و سيأتي ذلك في مباحث العلم الإجمالي إن شاء الله تعالى.