البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٠٦ - تمهيد
ما يقطع به المكلَّف من التكاليف، و بعد الفراغ- أيضاً- عن عدم شموله لما يقطع بعدمه من التكاليف جزماً، فمن قال بالشمول، ألحق احتمال التكليف بالقطع به من حيث كونه منجّزاً، فيكون حق الطاعة ثابت له بكل ما ينكشف للمكلف من تكاليف و لو انكشافاً احتمالياً أو ظنياً، و من قال بعدم الشمول، خص حق الطاعة بما يقطع به المكلف من تكاليف، و ألحق الاحتمال و الظن بالقطع بعدم التكليف من حيث ثبوت المعذّرية.
و حيث إنّ حق الطاعة يعني- بحكم العقل- وجوب الامتثال و استحقاق العقاب على المخالفة، و حيث إنّ المتيقن منه ثبوت هذا الحق في ما يقطع به المكلف من تكاليف، فهذا يعني «منجّزيّة القطع»، أي: دخول التكليف المقطوع بثبوته في عهدة المكلف، و وجوب تفريغ عهدته منه وفاءً لحق الطاعة الثابت للمولى بحكم العقل.
و بما أنّ حق الطاعة لا يشمل ما يقطع المكلف بعدمه من التكاليف، فهذا يعني «معذِّرية القطع»؛ و ذلك لأنّ المولى لن يكون مولى و ليس له المولويّة بلحاظ التكاليف التي يقطع المكلف بعدمها حتى لو كانت ثابتة في الواقع، فهو معذور عند مخالفتها في ما لو كانت ثابتة في الواقع، كما لو فرض أن المكلف قد قطع بعدم وجوب صلاة العيد و تركها اعتماداً على هذا القطع، و كانت ثابتة في الواقع [١]، فإنه لا
[١] اعلم إن القطع بعدم التكليف: تارة يكون مصيباً للواقع؛ كما لو قطع المكلّف بعدم وجوب صلاة العيد و كان الواقع أيضاً عدم وجوبها، و أخرى يكون مخالفاً للواقع؛ كما لو قطع بعدم وجوب صلاة العيد و كانت ثابتة في الواقع، و عند ما نقول: «القطع بعدم التكليف معذِّر»، فإننا نعني به القطع بعدم التكليف المخالف للواقع خاصة؛ لأنّ معنى المعذرية هو أن يوجد عند المكلّف ما يصح الاعتذار به إلى المولى، في ما لو أراد المولى أن يحتج عليه و يعاقبه على مخالفة الواقع، فهي فرع أن يوجد عند المولى ما يبرِّر احتجاجه و هو مخالفة التكليف الواقعي؛ و إلّا، فمع عدم ثبوت التكليف في الواقع و كان قطعه بعدمه مصيباً، لن يكون عند المولى ما يقتضي الاحتجاج به على العبد حتى يكون قطعه معذراً له، و لأجل هذا نقول: إن معذرية القطع، موضوعها القطع بعدم التكليف مع كون التكليف ثابتاً في الواقع، و إلّا، لو قطع المكلف بعدم التكليف، و لم يكن التكليف ثابتاً في الواقع، و كان قطعه مصيباً، فلا معنى لأنّ يكون هذا القطع معذراً، بل هو من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع، و هذا بخلاف «المنجّزيّة»؛ فهي صادقة؛ سواء أ كان القطع بالتكليف مصيباً للواقع أم مخطئاً؛ لأنّ التكليف ثابت بنظر المكلف و بحسب اعتقاده على كلا تقديريه.