البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٩٧ - ثانياً دفع التوهم المزبور
خصوصيات، كالإحراق- بالنسبة إلى النار- فتقول: (النار محرقة)، و لم يكن مقصودك أن تثبت الإحراق للصورة الذهنية للنار، بل النار الخارجية هي المحرقة لا النار كصورة ذهنية، و لكن، لما كان الحكم من الأمور الذهنية و يستحيل تعلقه بالخارج مباشرة [١]، فلا بد من واسطة تعتبر كقنطرة بين الحكم و الموضوع الخارجي، و ليس هي إلّا الصورة الذهنية للنار، و لكن منظوراً إليها بنظرة تصورية و بالحمل الأوّلي، و هذا يعني أنه يكفي في إصدار الحكم على الخارج، إحضار صورة ذهنية له تكون بالنظر التصوري البسيط عين الخارج و إن كانت بنظرة ثانوية تصديقيّة- أي بالحمل الشائع [٢]- مغايرة للخارج.
[١] استدل على استحالة تعلّق الأحكام بالخارج مباشرة بعدّة وجوه:
منها: أنّ الأحكام لو كانت عارضة على الوجود الخارجي، بحيث يكون الوجود الخارجي لموضوعها- كالصلاة الخارجيّة التي يعرض عليها الوجوب- مقوّماً لها، للزم أن لا يسمّى الحكم الذي لم يُمتثل و لم يتحقق شيء من مصاديقه خارجاً حكماً، كما لو عصى المكلّفون جميعاً و لم يأتوا بشيء من الصلوات خارجاً، و هذا واضح البطلان، و ذلك لانحفاظ الأمر و الحكم الشرعي في حالتي العصيان و الامتثال معاً.
و منها: أنّ تعلّق الحكم بالوجود الخارجي، يلزم منه أن يكون الحكم متقدّماً و متأخراً رتبةً في آن واحد؛ و ذلك لأن فرض تعلّقه بالوجود الخارجي، يقتضي تأخّره رتبة عنه تأخّر العارض عن معروضه، كتأخّر عروض البياض على الحائط عنه؛ فإنّه يفترض وجود حائط أوّلًا، ثم عروض البياض عليه ثانياً، مع أنّ الوجود الخارجي بمثابة المعلول للحكم الشرعي، فلا بدّ أوّلًا من أن يأمر المولى بوجوب الصلاة على المكلّف، حتى تتحقق منه الصلاة خارجاً امتثالًا لأمره، و هذا يعني تأخر الوجود الخارجي للصلاة عن الحكم الشرعي، فيلزم أن يكون الحكم الشرعي متأخراً و متقدّماً في آن واحد. و لمزيد من الفائدة راجع: بحوث في علم الأصول: ج ٣ ص ٣٢ و ٣٣
[٢] يُقسَّم الحمل إلى ذاتي أولي و شائع صناعي. و قبل بيان المقصود من هذين القسمين لا بد من الإشارة إلى أن صحة الحمل تتوقف على أمرين:
الأول: أن تكون هناك جهة اتحاد بين الموضوع و المحمول، و إلّا فلو كان بينهما تمام التباين لما صحّ حمل أحدهما على الآخر كما هو واضح.
الثاني: أن تكون هناك جهة تغاير بينهما، و إلّا كان من حمل الشيء على نفسه، و من الواضح أنه لا معنى لحمل الشيء على نفسه؛ إذ أن معنى الحمل هو إثبات شيء لشيء، و هو يقتضي المغايرة بينهما.
إذا تبيّن هذا نقول:
إن المراد بالحمل الأولي هو ما كان الاتحاد بين الموضوع و المحمول فيه في المفهوم، و المغايرة بالاعتبار، بمعنى: أن المفهوم من الموضوع هو عينه المفهوم من المحمول، و الاختلاف بينهما بجهة اعتبارية فقط، كقولنا: «الإنسان حيوان ناطق»، فإن مفهوم الإنسان هو نفسه و عينه مفهوم الحيوان الناطق، و إنما الاختلاف بينهما من حيث الإجمال و التفصيل؛ حيث إنّ مفهوم الإنسان مجمل، و مفهوم «الحيوان الناطق» تفصيل له.
و أما بالنسبة للحمل الشائع فيُقصد به: ما يكون الاتحاد بينهما في الوجود و المصداق، أي: الاتحاد بينهما في الخارج، و التغاير بينهما بحسب المفهوم، كقولنا «زيد عالم» فإنّ مفهوم «زيد» غير مفهوم «عالم»، و لكن في الخارج يصدقان على شيء واحد و هو عبارة عن تلك الذات المسماة بزيد و المتلبسة بالعلم.
هذا هو المراد بالحمل الأولي و الحمل الشائع بحسب اصطلاح المناطقة، و من المفروض أن يحمل هذان الاصطلاحان اللذان وردا في كلمات السيد الشهيد هنا على ما هو المعروف لدى المناطقة، و لكن قد وردت بعض الإشارات من قبل بعض المهتمين بالفكر الأصولي للسيد الشهيد بأنه قد أراد منهما هنا غير ما كان يريده المناطقة منهما، بمعنى أنه أراد من الحمل الأولي هنا الحمل الشائع عند المناطقة، و من الحمل الشائع هنا الحمل الأولي عندهم.
و الشيء المهم الذي نريد أن نقوله في المقام، هو:
إنّ تغيير و تبديل الاصطلاح من معناه المرتكز و الواضح لدى أهل الفن و الاختصاص إلى ما يعاكسه تماماً،- مضافاً إلى عدم كونه مناسباً إذا كان لمجرّد التغيير و التبديل، و كونه بحاجة إلى أن يشار إليه- لا بد و أن يكون لنكتة مهمة تكمن وراء هذا التغيير و التبديل، الأمر الذي يقتضي من السيد الشهيد أن يوضّحها و يشير إليها، فعلى من يدعي أن السيد الشهيد قد أراد من هذين الاصطلاحين عكس ما أراده المناطقة منهما، أن يبيّن لنا تلك النكتة التي لأجلها قام السيد الشهيد بتغيير هذا الاصطلاح، أو أن يرجعنا إلى كلماته التي تشير إلى ذلك، و إلّا فمجرّد دعوى ذلك لا أظنّه يتناسب مع الدقة التي يمتاز بها مثل السيد الشهيد، خصوصاً مع ملاحظة أن الحلقة الثالثة كتاب حوزوي تعليمي، و لا يغيب عن ذهن مؤلفه أن الطالب الحوزوي يدرسه جنباً إلى جنب مع علم المنطق، الأمر الذي يستدعي بنفسه أن يفهم الطالب من هذا الاصطلاح عند ما يطلق نفس المعنى الذي فهمه منه في علم المنطق، فكيف يمكن لنا أن نتصوّر أن السيد الشهيد لم يشر إلى ذلك و لم يبينه إذا فرض أنه يريد منهما ما ذكر. فالصحيح إذن هو: إنّ ما يريده السيد الشهيد هنا هو نفس ما يريده المناطقة منهما و ليس هناك أي اصطلاح جديد في المقام.
إن قلت: إن الفكرة التي أراد السيد الشهيد بيانها في هذا البحث بعد أن أصبحت واضحة، فلا يهمنا بعد ذلك معرفة كونهما اصطلاحين جديدين أم لا، و معه لا حاجة إلى مثل هذا التطويل.
قلت: إن دعوى أن السيد الشهيد قد أراد منهما عكس ما أراده المناطقة يكشف ظاهراً و بوجه ما عن عدم وضوح الفكرة التي كان السيد الشهيد بصدد بيانها في المقام، و لأجل ذلك، و لكي تتضح الفكرة أكثر، عمدنا إلى بيان ما يريده السيد الشهيد من هذين الاصطلاحين هنا.
و حينئذٍ، فلتطبيق فكرة الحمل الأولي و الحمل الشائع بمعناهما المنطقي على ما أراد السيد الشهيد بيانه هنا، نقول:
إن الفكرة التي أراد السيد الشهيد بيانه في المقام و التي وردت في كلماته تتضمّن أمور ثلاثة:
الأول: الصورة الذهنية للموضوع الذي ينصب عليه الحكم.
الثاني: الوجود الحقيقي و الخارجي للموضوع الذي يراد الحكم عليه بذلك الحكم.
الثالث: لحاظ الصورة الذهنية لذلك الموضوع، و هذا اللحاظ صورة ذهنية أيضاً؛ لأنّ لحاظ الشيء يعني تصوّره، و هذا أمر ثالث غير الأمر الأول.
و من الواضح أن الذي لاحظه السيد الشهيد بكون الحمل أولي أو أنه حمل شايع يتعلق بالأمرين الأول و الثالث، و لا ارتباط له بالأمر الثاني اطلاقاً، فالاتحاد الذي هو ملاك الحمل، سواء أ كان الاتحاد من ناحية المفهوم الذي هو ملاك الحمل الأولي، أم من ناحية المصداق الذي هو ملاك الحمل الشائع، المنظور فيه في كليهما هو ما يرتبط بالأمرين الأول و الثالث دون الأمر الثاني، فإذا أردنا تطبيق ذلك على ما نحن فيه، فحيث أن الحاضر في الذهن هو الصورة الذهنية للنار مثلًا، و هي ما يمكن أن ينظر إليها بنظرتين: نظرة تصورية و نظرة تصديقية، فأطلق السيد الشهيد على النظرة الأولى أنها نظرة بالحمل الأولي، و معنى ذلك أن الصورة الذهنية للنار الملحوظة بما هي حاكية عن الخارج هي نفس الصورة الذهنية التي نشأت بعد ذلك اللحاظ؛ لأن لحاظ الصورة لا يعني سوى تصوّرها، و من المعلوم أن تصوّر الصورة الذهنية ليس هو إلّا نفس تلك الصورة لا غير، فالصورتان الذهنيتان إذن متحدتان فهي ليست إلّا هي و التغاير بينهما اعتبارياً، من حيث أنها من جهة تكون لحاظاً و من جهة أخرى تكون ملحوظاً، و هذا هو ملاك الحمل الأولي و هو تام في المقام، و من الطبيعي أن الصورة الذهنية للنار الملحوظة بكونها فانية بالخارج و كأنها النار الخارجية، هي عين النار الخارجية، و لأجل ذلك صحّ أن يحكم عليها بما يحكم على النار الخارجية من أحكام، و ليس المقصود كون الصورة الذهنية للنار و بقطع النظر عن اللحاظ المتقدّم هي عين النار الخارجية بل هي عينها باللحاظ المتقدّم لا بدونه.
و أطلق على النظرة الثانية بأنها نظرة بالحمل الشائع، و مراده من ذلك، أن النار الموجودة في الذهن كمفهوم و صورة ذهنية، لو تمعنّا و دققنا النظر فيها، و نظرنا إلى مصداقها و وجودها الذهني لا مصداقها الخارجي، لوجدناها صورة و انطباعاً في النفس، و ليست ناراً حقيقة، و لا واجدة لشيء من خصائص النار الخارجية، فهي- بهذا النظر- لا شك في أنها تكون غير النار الخارجية؛ لأن النار المنظور إليها بهذا النظر- و الذي عبّرنا عنه بالمصداق الذهني- شيء و المصداق الخارجي للنار شيء آخر، و هذا هو معنى أن الصورة الذهنية للنار منظور إليها بالحمل الشائع مغايرة للنار الخارجية، و ملاك الحمل هنا و هو الاتحاد بالمصداق ليس المنظور فيه هو الاتحاد بين الصورة الذهنية للنار و المصداق الخارجي للنار حتى يقال بما أنه لا يوجد اتحاد بينهما خارجاً فلا يكون هذا الحمل من الحمل الشائع، بل المنظور فيه هو الاتحاد بين الصورة الذهنية للنار و نفس تلك الصورة بما هي مصداق ذهني و هذا من قبيل أن تلحظ صورة فوتوغرافية لشيء معيّن فمن الطبيعي حينئذٍ أنك تتصور في ذهنك تلك الصورة الفوتوغرافية، و تلك الصورة الفوتوغرافية لذلك الشيء هي المصداق لتلك الصورة الذهنية، و الشيء الخارجي الذي تعبّر عنه الصورة الفوتوغرافية هو المصداق الخارجي لتلك الصورة الفوتوغرافية، فإذا أردنا المقارنة بين ما نحن بصدده و بين المثال الذي ذكرناه فسوف تكون الصورة الذهنية للنار كلحاظ الذي هو عبارة عن الأمر الثالث من الأمور الثلاثة التي أشرنا إليها سابقاً بمثابة الصورة الذهنية لتلك الصورة الفوتوغرافية، و الصورة الذهنية للنار بما هي صورة و انطباع في النفس بمثابة نفس الصورة الفوتوغرافية، و النار الخارجية بمثابة الشيء الذي تعبّر عنه الصورة الفوتوغرافية، و حينئذٍ كما يصح لنا أن نقول إن الصورة الفوتوغرافية لشيء معيّن مغايرة بالحمل الشائع لذلك الشيء الخارجي الذي تعبّر عنه تلك الصورة، فكذلك يصح لنا أن نقول إن الصورة الذهنية للنار بالحمل الشائع و بما هي صورة و مصداق ذهني للنار مغايرة للنار الخارجية.
و بهذا نرجو أن نكون قد وفقنا لبيان ما أراد السيد الشهيد بيانه و أنه قد جرى في اصطلاحه هذا على ما جرت عليه المناطقة من دون أي تغيير أو تبديل، و أكبر الظن أن الباعث على دعوى التغيير و التبديل هو الخلط بين الحمل بلحاظ نفس الموضوع الذي يراد صب الحكم عليه و بين الحمل بلحاظ المحمول و الحكم، و بعبارة أخرى: الخلط بين كون الحمل صفة أو شرط للموضوع و بين كونه صفة أو شرط للحكم و المحمول، فمن الطبيعي حينئذٍ إذا فرض كون الحمل في المقام صفة للحكم و المحمول و هو الإحراق في قولنا:) النار محرقة (، فلا يصح القول بأنها بالحمل الأولي محرقة بل هي كذلك بالحمل الشائع.
و لكن السيد الشهيد لم يكن منظوره ذلك، بل كان منظوره أساساً منصباً على الموضوع الذهني، و أنه كيف ننظر إليه حتى يكون عين الموضوع الخارجي، لكي نتمكن من خلال ذلك من الحكم على ذلك الموضوع الخارجي بما هو ثابت له من آثار و أحكام خارجية؛ و لأجل ذلك، نرى أن السيد الشهيد قد قال: إن الصورة الذهنية للنار بالحمل الأولي هي عين النار الخارجية و إنها بالحمل الشائع مغايرة للنار الخارجية و بعد ذلك يحكم عليها بأنها محرقة أو أنها حارّة أو غير ذلك من الأحكام، و لم يقل ابتداءً: أن النار بالحمل الأولي محرقة و هذا يعني أن هناك حملًا سابقاً يتعلق بالموضوع الذي يراد صب الحكم عليه و هو الاحراق بحسب الفرض به تكون الصورة الذهنية للموضوع عين الموضوع الخارجي و هذا الحمل غير الحمل الذي يتعلّق بحمل الحكم على ذلك الموضوع.