البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٨٤ - خلاصة البحث في الأمارات و الأصول العمليّة
يخالف وجوب الاحتياط لا يعاقب عقابين أحدهما على ترك العمل بالاحتياط و الآخر على مخالفة نفس الواقع، و إنّما يعاقب بعقاب واحد على تركه لذلك الوجوب الواقعي الذي لزمه التحفظ تجاهه، و إلّا لكان حاله أشد من حال من علم بالحكم الواقعي و خالفه.
و أما الأحكام الواقعيّة، فهي أحكام حقيقية ناشئة من مبادئ مستقلة خاصّة بها، و لذا تشكل موضوعاً مستقلًا للدخول في العهدة و لحكم العقل بوجوب امتثالها و استحقاق العقاب على مخالفتها.
ثمّ أن الأحكام الظاهريّة التي قلنا أنها تجتمع مع الأحكام الواقعيّة بلا منافاة بينهما، لا تتصرّف في الأحكام الواقعيّة و لا تبدّلها على ما هي عليه، لما ذكرناه من أن الأحكام الواقعيّة محفوظة بمبادئها في حق العالم و الجاهل على حدٍّ سواء، و لكن هناك من ذهب- و هو صاحب الكفاية- إلى أن بعض الأحكام الظاهرية- من قبيل الأصول العمليّة الجارية في الشبهات الموضوعيّة كأصالة الطهارة- تتصرّف في الأحكام الواقعيّة و توسّع من دائرة موضوعها توسعةً حقيقية، بمعنى: أن الحكم الواقعي
بشرطية الثوب الطاهر في الصلاة، سوف يتسع ببركة أصالة الطهارة ليكون شاملًا للثوب النجس واقعاً إذا شككنا في طهارته، فيكون موضوع الشرطية عبارة عن الأعم من الثوب الطاهر واقعاً و الثوب المشكوك الطهارة و إن كان نجساً في الواقع.
و هذا الكلام في الواقع، يؤول إلى التصويب الذي تكون نتيجته أن الصلاة في الثوب المشكوك الطهارة- و إن كان نجساً في الواقع- اعتماداً على أصالة الطهارة، سوف تكون صحيحة واقعاً و لا تجب إعادتها كما هو مقتضى القاعدة بوجوب الإعادة إذا تبيّن انكشاف الخلاف، و الوجه في ذلك، هو أن دليل الشرطية قد اتسع موضوعه بدعوى حكومة أصالة الطهارة على دليل شرطية الثوب الطاهر في الصلاة حكومة واقعيّة لا ظاهرية، و هذا بخلاف ما لو ثبتت طهارة الثوب بالأمارة كخبر الثقة مثلًا، لأنّ مفاد دليل حجّية الأمارة، ليس جعل الحكم المماثل، بل جعل الطريقيّة أو المنجزيّة فلا توسعة في المقام؛ لأنّ دليل حجّية الأمارة، لا يقول: (أن هذا الثوب طاهر)، بل يقول: (أنّ هذا الثوب محرز الطهارة بالأمارة)، و معه، فلا يكون حاكماً؛ لأنه ليس له