البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٧٧ - لزوم القول بالتصويب من ذلك
و هذا نحو من التصويب؛ لأنّ هذا القول يؤدي إلى تغير الواقع و تبدله بحسب ما أدى إليه الأصل العملي، فلم يبق لدينا واقع محفوظ حتى في فرض الجهل به، و ليس هذا إلّا التصويب المجمع على بطلانه [١].
و مما يترتب على ذلك: هو أن من صلى بثوب مشكوك الطهارة اعتماداً على أصالة الطهارة، فإنّ صلاته ستكون صحيحة واقعاً؛ لأنها- أي أصالة الطهارة- قد وسّعت من موضوع الشرطية، وعليه، فلا تجب إعادتها لو انكشف الخلاف و علم أن الثوب كان نجساً في الواقع؛ لأنّ صلاته واجدة لشرطها الواقعي و هو طهارة الثوب،
الأعم من كونها طهارة واقعية أو ظاهرية، فلم يؤدي ذلك إلى فوات الواقع حتى تجب عليه الإعادة.
و توضيح ذلك: إنّ دليل أصالة الطهارة كقوله (ع): (كل شيء لك طاهر حتى تعلم أنه قذر)، ناظر إلى دليل شرطية الثوب الطاهر في الصلاة؛ لأنه يتصرف في موضوعه بعد كون لسانه لسان توسعة موضوع ذلك الدليل؛ فإنّ موضوعه هو الثوب الطاهر، و دليل أصالة الطهارة يقول: هذا الثوب طاهر، فهو يوجِد فرداً من أفراد موضوع دليل الشرطية المتقدم، و يكون محققاً لذلك الشرط، فيكون حاكماً عليه [٢]، و لا فرق- في
[١] لعلك تسأل و تقول: إن صاحب الكفاية، كيف غفل عن هذا مع أن استلزامه للقول بالتصويب واضح.
فإننا نقول: إن صاحب الكفاية لم يغفل عن هذا، و لكنه يدعي عدم أدائه إلى التصويب بالمعنى المجمع على بطلانه، و قد أشار إلى ذلك في قوله ص ١١٣: «لا يذهب عليك أن الإجزاء في بعض موارد الأصول و الطرق و الأمارات، لا يوجب التصويب المجمع على بطلانه في تلك الموارد؛ فإن الحكم الواقعي بمرتبته محفوظ فيها؛ فإنّ الحكم المشترك بين العالم و الجاهل، ليس إلّا الحكم الإنشائي المدلول عليه بالخطابات؛ و هو ثابت في تلك الموارد، و إنما المنفي فيها ليس إلّا الحكم الفعلي ... الخ»
[٢] و تسمّى هذه الحكومة بالحكومة الواقعيّة، كحكومة قوله: «الطواف بالبيت صلاة» على دليل شرطيّة الطهارة في الصلاة، في مقابل الحكومة الظاهريّة.
و الفرق بين الحكومة الواقعيّة و الحكومة الظاهريّة، هو أن الأولى توجب التوسعة أو التضييق في الموضوع الواقعي بحيث يتحقق موضوع واقعي في عرض الموضوع الأول، كما في حكومة قوله «الطواف بالبيت صلاة» على دليل شرطية الطهارة في الصلاة؛ فإنّه بعد ما كان الموضوع الواقعي للمشروط بالطهارة هو خصوص الصلاة، أصبح- بفضل هذه الحكومة و التوسعة الواقعيّة- كُلًا من الصلاة و الطواف، فالطواف أيضاً أصبح مشروطاً بالطهارة واقعاً كما كانت الطهارة شرطاً في الصلاة واقعاً.
و كحكومة قوله: «كل شيء لك طاهر حتى تعلم أنّه قذر» على دليل شرطية الثوب الطاهر في الصلاة، بناءً على ما ذهب إليه صاحب الكفاية، و قد بيّنا ذلك مفصلًا.
و أما الحكومة الظاهريّة، فليس فيها توسعة و تضييق واقعي، و إنما التوسعة و التضييق فيها يكون ظاهرياً، كحكومة الأمارات على الأصول العمليّة؛ حيث أنّ الأصل العملي قد أخذ في موضوعه الشك، فمع مجيء الأمارة يرتفع موضوع الأصل العملي تعبداً، بناءً على مبناهم في جعل العلميّة، و كحكومة الأصول العمليّة بعضها على البعض الآخر ... و هكذا.
نعم، لو قلنا: إن مفاد الحجّية هو جعل المؤدّى الذي يرجع إلى التصويب، لكانت الحكومة واقعيّة لا ظاهريّة، و لأجل ذلك قلنا إن ما ذكره صاحب الكفاية يرجع إلى التصويب.
و مما يترتّب على هذا الفرق بين الحكومة الواقعيّة و الحكومة الظاهريّة، هو أنّه لو افترضنا أن حكومة قوله: «كل شيء لك طاهر ...» على دليل شرطيّة الثوب الطاهر في الصلاة، من الحكومة الواقعيّة، و طبقنا أصالة الطهارة على الثوب المشكوك طهارته، و صلّى به المكلّف اعتماداً على أصالة الطهارة، و انكشف الخلاف بعد ذلك، و تبيّن أن الثوب كان نجساً، فصلاته صحيحة واقعاً و لا يجب عليه الإعادة أو القضاء، و أما إذا افترضنا أنّها من الحكومة الظاهريّة فالمفروض وجوب الإعادة أو القضاء فيما لو انكشف الخلاف.
و بعبارة أخرى: إن القول بالحكومة الواقعيّة يقتضي الأجزاء، و القول بالحكومة الظاهريّة يقتضي عدم الأجزاء.