البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٢٥ - عدم إمكان الالتزام بالتخصيص لدفع هذه الشبهة
بيان لدفع هذه الشبهة، و يدّعى ثبوت التنجيز في المورد الذي قامت فيه الأمارة أو الأصل العملي على ثبوت التكليف، بأن نقول: يقبح العقاب بلا بيان إلّا في المورد الذي قامت فيه الأمارة أو الأصل العملي على ثبوت التكليف، فيرتفع الإشكال من أساسه، و تختص القاعدة حينئذٍ بالموارد التي لم تقم عليها أمارة أو أصل يدلّان على ثبوت التكليف.
فإن مثل هذا التوهّم باطل و لا يمكن الذهاب إليه؛ لأن قاعدة قبح العقاب بلا بيان من الأحكام العقلية؛ لأنها من مدركات العقل العملي [١]، فلا تكون قابلة للتخصيص؛ فإنّ معنى التخصيص هو خروج المورد حكماً مع الالتزام بدخوله موضوعاً، و إلّا- لو كان خارجاً موضوعاً- كان ذلك تخصّصاً لا تخصيصاً [٢].
فلو قال المولى- مثلًا-: «أكرم العالم»، و كان زيد عالماً، ثم استثناه من وجوب الإكرام فقال: «لا تكرم زيداً»، فإن مثل هذا يسمى تخصيصاً، لأنّ زيداً أحد أفراد العالم، فيكون داخلًا في موضوع وجوب الإكرام، غاية الأمر أن الحكم الثابت لذلك الموضوع لا يشمله بحسب الفرض، أما لو لم يكن عالماً أساساً فخروجه عن الحكم بوجوب الإكرام يكون تخصّصاً لا تخصيصاً؛ لأنه ليس فرداً من أفراد العالم بحسب الفرض.
و هذا المعنى، أي: التخصيص، غير معقول في الأحكام العقلية؛ لأنه إن أدرك
[١] اعلم أن ما يدركه العقل تارةً يقتضي بنفسه لو خلّي و طبعه سلوكاً عملياً كإدراكه لحسن العدل فإنه مما يقتضي أن يفعل أو إدراكه لقبح الظلم فإنه مما يقتضي أن يترك و هو المسمى عندهم بالعقل العملي و قد عرّفوه بأنه: إدراك لما ينبغي فعله أو تركه.
و تارةً لا يقتضي بنفسه سلوكاً عملياً بل هو مجرّد إدراك لأمرٍ نظري كإدراكه لاستحالة اجتماع النقيضين أو الضدين و هو المسمى عندهم بالعقل النظري و قد عرّفوه بأنه: إدراك لما ينبغي أن يعلم.
و منه يعلم أن تقسيمه إلى هذين القسمين- النظري و العملي- إنما هو بلحاظ ما يدركه العقل و ليس بلحاظ نفس العقل.
[٢] التخصيص عبارة عن سلب أو نفي الحكم الثابت للعام عن بعض أفراد ذلك العام، و هو المعبر عنه بالسالبة بانتفاء المحمول، و أما التخصّص، فهو عبارة عن انتفاء الحكم عن فرد من الأفراد لأجل عدم دخوله في موضوع ذلك الحكم، و هو المعبر عنه بالسالبة بانتفاء الموضوع.