الاجتهاد والتقليد - الكجوري الشيرازي، محمد مهدي - الصفحة ٢١٥ - المقام الرابع في الأحكام الفرعيّة الغير الضروريّة
أصحاب الأئمّة (عليهم السلام)، فإنّهم كانوا متمكّنين من تحصيل الأحكام الواقعيّة، لانفتاح باب العلم لهم بالسؤال عن خزنته (عليهم السلام).
و أمّا على فرض عدم التمكّن من تحصيله في زماننا هذا، فنحن إن كنّا مكلّفين بتحصيل الواقع، يلزم التكليف بما لا يطاق، فلاستحالته على اللّه تعالى حكم عقولنا بأنّ تكليفنا العمل بالمعتقد، و بما أدّى ظنونا إليه من باب الاضطرار، و أكل الميتة عند المخمصة، و أنّ هذا الحكم المعتقد بمقتضى العقل بدل من الحكم الواقعي إن لم يطابقه.
و لنمثّل لتوضيح تحرير محلّ النزاع بالأدوية الموجودة في عالم الحس، حتّى ينكشف غاية الانكشاف، فإنّ عالم الأجساد نظير لعالم الأرواح، و كما أنّ الأدوية و المعاجين الخارجيّة يصير سببا لشفاء أمراض الأبدان، و يوجب حفظ الصحّة في صورة عدم المرض، و ربما يوجب بعض الأدوية الهلاك في بعض الأمزجة، و هكذا أحكام اللّه تعالى يوجب شفاء أمراض الأرواح من الجهل و عساكره، من البخل و الحسد و القسوة و نظائرها.
فنقول: إنّ بعض الأمراض البدنيّة ممّا له أدوية متعدّدة، يدفع كلّ واحد منها بالأصالة المرض، كمن كان له مثلا مرضا صفراويّا، فإنّ هذا المرض ممّا يندفع بالأدوية الباردة الرطبة، و كلّ واحد منها كاف في دفع المرض، فالطبيب حينئذ يخيّر المريض بين استعمال أيّها شاء؛ نظيره في الأحكام، كما في الواجبات التخييريّة، فإنّ من أفطر يوما من رمضان من دون عذر، يحصل لنفسه و روحه من ذلك مرض و مفسدة، و جعل الطبيب الواقعي لدفع هذا المرض من الروح أدوية ثلاثة هي الكفّارات الثلاث، و لمّا كان كلّ واحد منها مستقلّا في دفع هذا المرض، خيّر هذا المريض في الإتيان بأيّها أراد؛ و الأحكام التي هي من هذا القبيل ليس من محلّ النزاع، لأنّ الفريقين كليهما يقولون إنّ هذه الأحكام من الأحكام الواقعيّة المرتسمة في اللوح.
و بعض الأمراض ممّا له بالأصل دواء واحد ينتفع به، و لكن له في الخارج بدل