الاجتهاد والتقليد - الكجوري الشيرازي، محمد مهدي - الصفحة ٣١٦
أيضا لا يجري الاستصحاب، و هو استصحاب وجوب تقليد المجتهد الذي هو أعلم، لأنّ لوجوب تقليده في صورة الانحصار، كانت جهة هي الوحدة؛ و تعيين هذه الجهة وجوب تقليده كان يقينيّا و قد زالت قطعا، و كون الأعلميّة سببا لتعيين تقليده مشكوكة من الأوّل، بل ما لم يتحقّق المجتهد الأدون لم يكن أعلم، لأنّ الأعلميّة من الأمور الإضافيّة، و يتوقّف وجودها على وجود المنتسبين.
نعم، في هاتين الصورتين أيضا، إن قلنا بقاعدة الاشتغال، فهي حاكمة بلزوم تقليد الأعلم فيها؛ لكن قد عرفت أنّ بنائنا في أمثال هذه المقامات، على جريان أصالة البراءة، لأصالة عدم الشرطيّة؛ و إن سلّمنا جريان قاعدة الاشتغال في هذه الصور الثلاث، فغاية الأمر أن نقول: لمّا لم يكن مفصّل بين هذه الصور بلزوم تقليد الأعلم في بعض، و عدم لزومه في بعض آخر، فنثبت التخيير في الصورة الأولى بالاستصحاب، و نتعدّى إلى سائر الصور بالإجماع المركّب.
و للخصم أن يقلّب الإجماع بإثبات لزوم تقليد الأعلم في الصور الثلاث الأخيرة، بقاعدة الاشتغال؛ و يتعدّى إلى الصورة الأولى، فيؤول الأمر إلى ملاحظة الضميمتين، و قد عرفت مرارا أنّ الاستصحاب وارد على قاعدة الاشتغال.
و لا يخفى أنّ هذا الوجه في الحقيقة تأسيس الأصل، و قد تحقّق أنّ الأصل في المسألة مع القائلين بعدم وجوب تقليد الأعلم.
ثمّ قال الأستاذ: إنّ أصل البراءة الذي أجريناه في الصور الثلاثة غير جار؛ و أصل الاشتغال جار.
أمّا الأوّل، فلأنّ المسألة أصوليّة؛ و النزاع في أنّ قول غير الأعلم مع وجود الأعلم حجّة أم لا؛ و الحجّيّة من الأحكام الوضعيّة؛ و مجرى أصل البراءة إنّما هو فيما إذا كان الشكّ في التكليف؛ و بعد ما كان الشكّ فيما نحن فيه في الحكم الوضعي، فلا يجري.
و أمّا الثاني، فلأنّ أصل الاشتغال جار، سواء كان المسألة أصوليّة أو فرعيّة.