الاجتهاد والتقليد - الكجوري الشيرازي، محمد مهدي - الصفحة ٣١٢
يوم مثلا؛ و الآخر ليس قدرته على الاستنباط بهذه المثابة، فعلى هذا الاحتمال، يكون الأوّل أعلم من الثاني.
و يمكن أن يكون المراد به من كان أكثر استنباطا من الآخر، كأن كان أحدهما مستنبطا لجميع أبواب الفقه مثلا، و الآخر لم يستنبط بعد إلّا بعض الأبواب؛ فالأوّل على هذا التقدير أعلم من الثاني.
و يمكن أن يكون المراد منه من كان أكثر ضبطا من الآخر، و أشدّ حفظا منه، كأن كان أحد المجتهدين، مع فرض تساويهما في القوّة و في الاستنباط، حافظا لاستنباطاته و متذكّرا لها لكثرة ضبطه، و الآخر لم يكن كذلك، بل كان في كلّ مسألة يسأل منه محتاجا إلى المراجعة إلى كتابه مثلا.
و لا ريب في أنّ القدر المتيقّن ممّن يصدق عليه الأعلم، من كان أشدّ قوّة و أكثر استنباطا و أكثر ضبطا؛ و أمّا في صورة الافتراق، كما لو كان أحدهما أشدّ قوّة و الآخر أكثر استنباطا، و هكذا؛ فهل المعيار في صدق الأعلم شدّة القوّة، أو غيرها؟
الحقّ: أنّ هذا اللفظ لمّا لم يثبت للشارع اصطلاح خاصّ فيه، فلا بدّ في فهم معناه من الرجوع إلى العرف؛ و نحن بعد ما راجعنا إليهم، وجدناهم يجعلون المناط في الأعلميّة شدّة القوّة، فلو كان في البين رجلان من أهل صنعة، و كانا متساويين في القوّة على هذه الصنعة، مع تصدّي أحدهما لفعليّة الصنعة مرارا دون الآخر، نجدهم أنّهم لا يقولون: إنّ هذا المتصدّي أعلم من الآخر الغير التصدّي؛ بخلاف ما لو كان أحدهما أشدّ قوّة و أحسن في هذه الصنعة مع عدم التصدّي، و كان الآخر أضعف قوّة و أخس صنعة مع التصدّي؛ فإنّهم يقولون: إنّ الأوّل أعلم من الثاني؛ و ذلك بيّن لمن راجع إلى العرف.
لا يقال: إنّ العالم حقيقة في العالم بالفعل، لتبادره منه؛ فليكن المراد بالأعلم من كان أكثر استنباطا، لأنّ أفعل التفضيل يدلّ على ثبوت الوصف المستفاد من اسم الفاعل مع زيادة.