الاجتهاد والتقليد - الكجوري الشيرازي، محمد مهدي - الصفحة ١١٢ - الشرط الرابع عشر علم الرجال
معرفة الرجال في عصرنا هذا بالمعاشرة و اختبار الحال، لا بدّ من الرجوع إلى الكتب من باب المقدّمة؛ و كذا نكتفي ملكة المعرفة لا فعليّتها.
و الحاصل: أنّ كيفيّة معرفة علم الرجال على نحو كيفيّة معرفة العلوم العربيّة، في جميع ما ذكر مطلبا و دليلا، فعليك بالرجوع و التطبيق؛ و كذا في مقدار المعرفة، فإنّه يكفي معرفة الرجال الذين روي منهم أحاديث الأحكام، و لا احتياج إلى معرفة روات الأخبار الواردة في غير الأحكام، كالواردة في أصول العقائد و الطبّ مثلا.
و بعد ما عرفت ذلك، نقول: إنّ من جملة شكوكهم التي استدلّوا بها في المقام، على عدم الاحتياج بعلم الرجال، أنّ الأخبار المدوّنة في الكتب الأربعة للأئمّة و المشايخ الثلاثة، كلّها قطعيّة الصدور من الأئمّة (عليهم السلام)، و بعد ما كانت قطعيّة الصدور، لا احتياج إلى معرفة أحوال الرواة.
أمّا الكبرى فبديهيّة؛ و أمّا الصغرى، فلأنّه اجتمعت في زمن الأئمّة (عليهم السلام) أربعة آلاف أو ستّة آلاف أصل، و كلّ صاحب أصل كان جادّا في تصحيح أصله، كأن كان يعرضه على الإمام عليه (عليه السلام)، أو كان يكتب الحديث عند حضوره بخدمته (عليه السلام)؛ و مع ذلك، فما كانت الأصول محتملة لاشتمالها على الأخبار الموضوعة المنتسبة إليهم (عليهم السلام) كذبا.
انتخب قدماء الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) أربعمائة أصل، مع شدّة اهتمامهم في الاحتراز عن الأصول المحتملة للكذب؛ و مع ذلك، لم يقتصر المحمّدون الثلاثة رحمهم اللّه على ذلك، و انتخبوا من الأصول الأربعمائة أحاديث زبروها في الكتب الأربعة، مع صرف أعمارهم و بذل جهدهم في تصحيح تلك الأحاديث، حتّى أنّه قيل، بل اشتهر: إنّ الكليني (رحمه اللّه) سمع أنّ عند رجل حديث أو أصل، فسافر إلى بلده ليأخذ الحديث منه، فوجده في القاع يريد أن يأخذ فرسه الشارد بالحيلة، فلمّا رأى الشيخ ذلك، أعرض عنه و قال: إنّه رجل محتال ليس قابلا لأخذ الحديث منه؛ و أمثال ذلك، كما اشتهر عن القمّيّين رحمهم اللّه.