اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٨٠٣ - ٣ ـ مبدأ تدخل الدولة
فالمبدأ التشريعي القائل مثلاً : إنّ مَن عَمل في أرض وأنفق عليه جهداً حتى أحياها ، فهو أحقّ بها من غيره . يعتبر في نظر الإسلام عادلاً ؛ لأنّ من الظلم أن يساوى بين العامل الذي أنفق على الأرض جهده ، وغيره ممّن لم يعمل فيها شيئاً . ولكن هذا المبدأ بتطوّر قدرة الإنسان على الطبيعة ونموّها ، يصبح من الممكن استغلاله . ففي عصر كان يقوم إحياء الأرض فيه على الأساليب القديمة ، لم يكن يتاح للفرد أن يباشر عمليات الإحياء إلاّ في مساحات صغيرة . وأمّا بعد أن تنمو قدرة الإنسان وتتوفّر لديه وسائل السيطرة على الطبيعة ، فيصبح بإمكان أفراد قلائل ممّن تؤاتيهم الفرصة أن يحيوا مساحة هائلة من الأرض . باستخدام الآلات الضخمة ويسيطروا عليها ، الأمر الذي يزعزع العدالة الاجتماعية ومصالح الجماعة . فكان لا بدّ للصورة التشريعية من منطقة فراغ يمكن ملؤها حسب الظروف ، فيسمح بالإحياء سماحاً عاماً في العصر الأوّل ، ويمنع الأفراد في العصر الثاني ـ منعاً تكليفياً ـ عن ممارسة الإحياء إلاّ في حدود تتناسب مع أهداف الاقتصاد الإسلامي وتصوّراته عن العدالة .
وعلى هذا الأساس وضع الإسلام منطقة الفراغ في الصورة التشريعية التي نظمّ بها الحياة الاقتصادية ، لتعكس العنصر المتحرّك وتواكب تطوّر العلاقات بين الإنسان والطبيعة ، وتدرأ الأخطار التي قد تنجم عن هذا التطوّر المتنامي على مرّ الزمن .
منطقة الفراغ ليست نقصاً :
ولا تدلّ منطقة الفراغ على نقص في الصورة التشريعية ، أو إهمال من الشريعة لبعض الوقائع والأحداث . بل تعبّر عن استيعاب الصورة . وقدرة الشريعة