اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٩١ - ٤ ـ النظـرية بتفاصيـلها
الأفكار المناهضة له بسخريّة لاذعة ، واستخفافٍ بالغ ، وانتهى من سخريّته إلى أنّ الادّخار لا يكفي وحده تعليلاً لوجود الطبقة الرأسمالية ، وإنّما يجب لكي نصل إلى سرّ التراكم الرأسمالي الأوّل الذي قامت على أساسه الطبقة الجديدة أن نفحص مضمون النظام الرأسمالي نفسه ، ونفتّش في أعماقه عن ذلك السرّ المعقّد .
ويستعين ماركس هنا بموهبته الفذّة في التعبير ، وسيطرته على التصرّف بالألفاظ كيف شاء ، للتدليل على وجهة نظره ، فيقرّر:
أنّ النظام الرأسمالي يبرز لنا علاقة من نوع خاص بين الرأسمالي الذي يملك وسائل الإنتاج وبين الأجير الذي يتخلّى بحكم تلك العلاقة عن كلّ حقّ من حقوق الملكية على منتوجه ، لا لشيءٍ إلا لأنّه لا يملك سوى طاقّة عملية محدودة ، بينما يملك الرأسمالي جميع الشروط الخارجية اللازمة : المادّة ، والأدوات ، ونفقات المعيشة ، لتجسيد تلك الطاقة .
فموقف الأجير في النظام الرأسمالي إنّما هو نتيجة لفقده وسائل الإنتاج التي يتمتّع بها الرأسمالي وانفصاله عنها ، ومعنى هذا : أنّ أساس العلاقة الرأسمالية يقوم على الانفصال الجذري بين وسائل الإنتاج والأجير ، وبالرغم من أنّه هو المنتج الذي يباشر تلك الوسائل . فهذا الانفصال هو الشرط الضروري تأريخياً لتكوّن العلاقات الرأسمالية . فلكي يولد النظام الرأسمالي يجب إذن أن يكون قد جرى بالفعل انتزاع وسائل الإنتاج من المنتجين دون أخذ ولا ردّ ، أولئك المنتجين الذين كانوا يستخدمونها لتحقيق عملهم الخاص ، ويجب أن تصبح هذه الوسائل المنتجة محصورة في أيدي التجاريين الرأسماليين .
فالحركة التأريخية التي تحقّق الانفصال بين المنتج ووسائل الإنتاج ، وتحصر هذه الوسائل في أيدي التجاريين ، هي ـ إذن ـ مفتاح السرّ للتراكم الرأسمالي الأوّل . وقد تمّت هذه الحركة التأريخية بأساليب من : الاستعباد ، والاغتصاب المسلّح ، والنهب ، وألوان العنف ، دون أن يساهم في إنجازها التدبير ، والاقتصاد ، والكياسة ، والذكاء ، كما تتخيّل مراجع