اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٨٨ - ٤ ـ النظـرية بتفاصيـلها
أنّ الرأسمالية التجارية من الأشكال الاقتصادية الراقية ، وإذا كانت الإمبراطوريّة الرومانية قد جربّت هذا الشكل ـ كما يدلّ عليه تأريخها ـ فقد وصلت إذن إلى درجة عالية نسبياً في تركيبها الاقتصادي ، وابتعدت شوطاً كبيراً عن ألوان الاقتصاد البدائي المغلق ( اقتصاديات البيت ) ، وكان من أثر ذلك أنّ التجارة راجت في مختلف الدول التي عاصرتها الإمبراطورية الرومانية بفضل تعبيد الطرق وتأمينها حماية الملاحة ، فضلاً عن التجارة الداخلية التي ازدهرت داخل أرجاء الإمبراطورية بين إيطاليا والولايات ، وبين الولايات بعضها مع بعض ، حتى أنّ الأواني الفخّارية لإيطاليا كانت تكتسح السوق العالمية من بريطانيا شمالاً إلى شواطئ البحر الأسود شرقاً . ودبابيس الأمن التي تميّزت بها ( أوكيسا ) انتشرت عن طريق التجارة في جميع الولايات ، ووصلت إلى شواطئ البحر الأسود . والمصابيح التي كانت المصانع الإيطالية تنتجها بكميات هائلة عثر عليها في كلّ جزء من أجزاء الإمبراطورية .
والسؤال الذي يواجهنا على ضوء هذه الحقائق هو : لماذا لم تواصل الأوضاع الاقتصادية والرأسمالية التجارية نموّها وتكاملها، ما دامت الحركة التكاملية قانوناً حتميّاً للأوضاع الاقتصادية والإنتاجية ؟ ولماذا لم تتطوّر الرأسمالية التجارية إلى رأسمالية صناعية ، كما حدث في منتصف القرن الثامن عشر ، ما دامت رؤوس الأموال الكبيرة متوفّرة عند التجّار ، وجماهير الأحرار التي كانت تزداد بؤساً وحاجة حاضرة لتلبية طلبات الرأسمالية الصناعية ، والاستجابة لمتطلباتها ؟
إنّ هذا يعني أنّ الشروط المادّية للشكل الاجتماعي الأعلى كانت موجودة ، فلو كانت الشروط المادّية كافية وحدها لتطوير الواقع الاجتماعي وكانت قوى الإنتاج في تطوّرها تخلق دائماً الأوضاع ، التي تنطلق في ضمنها وتنمو .. لوجب أن تنمو الرأسمالية في التأريخ القديم وأن تستجيب لمتطلبات