اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٥٢ - ٢- الفكر والماركسية
وقد يتّفق للعلم أن يسبق بفتوحه الحاجة الاجتماعية إذا استكمل الشروط الفكرية للفتح الجديد.، فالقوّة المحرّكة للبخار هي من حاجات المجتمع الرأسمالي في رأي الماركسية ، ولكنّ العلم قد اكتشفها ـ بالرغم من ذلك ـ في القرن الثالث الميلادي [١] ، قبل أن تظهر طلائع الرأسمالية الصناعية على مسرح التأريخ بأكثر من عشرة قرون . صحيح أنّ المجتمعات القديمة لم تستثمر هذه القوة البخارية ، ولكنّنا لا نتحدّث عن مدى قدرة المجتمع على الاستفادة من العلوم ، وإنّما نبحث الحركة العلمية نفسها ، وندرس ما إذا كانت تعبيراً عقلياً عن الحاجة الاجتماعية المتجدّدة بدورها أو حركة أصيلة لها شروطها السيكولوجية وتأريخها الخاص .
ج ـ والماركسية حين تحاول أن تقصر نطاق العلم على القضايا والمشاكل التي تضعها وسائل الإنتاج وأوضاعها التكنيكية أمامها ، تقع في خلط بين العلوم الطبيعية النظرية من ناحية ، والفنون العملية من ناحية أخرى . فالفنون العملية الصناعية التي نبعت من خلال التجارب والخبرات الاعتيادية التي حصل عليها رجال الأعمال وتوارثوها كانت تسخّر دائماً لحساب القوى المنتجة ، وتنمو تبعاً لما تقدّمه هذه القوى من مسائل ومشاكل تتطلّب منهم الجواب عنها ، أو التغلّب عليها . وأمّا العلوم النظرية التجريبية فلم تكن وقفاً على تلك المسائل والمشاكل ، بل إنّنا نجد أن التطوّر العلمي النظري والتطوّر الفنّي العملي سارا لفترةٍ كبيرة من الزمن في خطّين منفصلين ، وذلك منذ القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر . فقد مضى على الفنون العملية ـ بعد ميلاد العلم في القرن السادس عشر ـ قرنان قبل أن تتهيأ لها الاستفادة من العلم ، وبقي الحال على هذا تقريباً حتى بدأت صناعة الكهرباء سنة (١٨٧٠م ) .
[١]الروح الحزبية في الفلسفة والعلوم : ١٢ .