اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٤٠ - ٢- الفكر والماركسية
بالمثاليّة في تأريخ الفلسفة الحديثة .
وهكذا تجيء النتائج على عكس ما ترتقبه الماركسية في التأريخ ؛ إذ تزدهر الفلسفة المثالية ، وبتعبير آخر : أشدّ الفلسفات رجعية عند الماركسية ، في أرقى المجتمعات وأكثرها تطوّراً من الناحية الاقتصادية والتكنيكية . بينما تختار العاصفة المادّية لها مكاناً في مجتمعات متأخّرة اقتصادياً واجتماعياً كفرنسا ، بل إنّ المادّية التطوّرية والديالكتيك نفسهما ، لم يظهرا إلاّ في ألمانيا يوم كانت متأخّرة في شروطها المادّية على إنكلترا بعدّة درجات .
ومع هذا تريدنا الماركسية أن نصدّق تفسيرها للتفكير الفلسفي وتطوّراته على أساس الوضع الاقتصادي ونموّه .
وإذا حاولت الماركسية أن تجد لهذه المفارقات مبرّراً لتعتبرها استثناءً عن القانون فماذا يبقي عندها من دليل على صحة القانون نفسه لتكون هذه المفارقات استثنائية ؟ ولماذا لا تكون دليلاً على خطأ القانون نفسه بدلاً من أن نلتمس المعاذير لها من هنا وهناك ؟!
وهكذا نستنتج ممّا سبق أن لا علاقة حتمية بين المفاهيم الفلسفية للمجتمع والوضع الاقتصادي للقوى المنتجة فيه .
* * *
وأما العلاقة بين الفلسفة والعلوم الطبيعية فتتوقف دراستها ـ بصورة مفصّلة ـ على تحديد مفهوم الفلسفة ومفهوم العلم ، والأسس التي يرتكز عليها التفكير الفلسفي والتفكير العلمي ؛ لنستطيع أن نعرف ما يكمن من تفاعل وارتباط بين الحلقتين . وهذا ما سنتركه إلى ( فلسفتنا ) ولكنّنا لا نترك هذه المناسبة دون أن نشير بإجمال إلى شكّنا في التبعية المفروضة على الفلسفة للعلوم الطبيعية ، فإنّ الفلسفة قد تسبق العلم أحياناً إلى بعض الاتجاهات في تفسير الكون ، ثمّ يجري