اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٦٦ - المذهب الاقتصادي
وهنا يختلف موقف الممارس بوصفه مجتهداً يستنبط الأحكام ، عن موقفه بوصفه مكتشفاً للمذهب الاقتصادي فهو باعتباره مجتهداً يستنبط الأحكام لا يمكنه أن يتخلّى في عمله عن الأحكام التي أدّى إليها اجتهاده ، وإن بدت له متنافرة على الصعيد النظري ، مادام يحتمل أن يكون مرّد هذا التنافر إلى عجزه عن استكناه أسرارها وأُسسها المذهبية . ولكن تمسّكه بتلك الأحكام لا يعني قطعيتها ، بل هي نتائج ظنّية ، ما دامت تقوم على أساس الاجتهاد الظنّي الذي يبرّر الأخذ بها ، بالرغم من احتمال الخطأ .
وأمّا حين يريد هذا الفقيه أن يتخطّى فقه الأحكام إلى فقه النظريّات ، ويمارس عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام ، فإنّ طبيعة العملية تفرض عليه نوع الأحكام التي يجب أن ينطلق منها ، وتحتّم أن تكون نقطة الانطلاق مجموعة متّسقة ومنسجمة من الأحكام ، فإنّ استطاع أن يجد هذه المجموعة فيما يضمّه اجتهاده الشخصي من أحكام ، وينطلق منها في عملية الاكتشاف لفهم الأسس العامة للاقتصاد الإسلامي ، دون أن يُمنى بتناقض أو تنافر بين عناصر تلك المجموعة ، فهي فرصة ثمينة تتّحد فيها شخصية الممارس بوصفه فقيهاً يستنبط الأحكام ، مع شخصيته بوصفه مكتشفاً للنظريّات .
وأمّا إذا لم يسعد بهذه الفرصة ، ولم يسعفه اجتهاده بنقطة الانطلاق المناسبة ، فإنّ هذا لن يؤثّر على تصميمه في العملية ، ولا على إيمانه بأنّ واقع التشريع الإسلامي يمكن أن يفسّر تفسيراً نظرياً متّسقاً شاملاً . والسبيل الوحيد الذي يتحتّم على الممارس سلوكه في هذه الحالة أن يستعين بالأحكام التي أدّت إليها اجتهادات غيره من المجتهدين ؛ لأنّ في كلّ اجتهاد مجموعة من الأحكام تختلف إلى حدّ كبير عن المجاميع التي تشتمل عليها الاجتهادات الأخرى .
وليس من المنطقي أن نترقّب اكتشاف مذهب اقتصادي وراء كلّ مجموعة