اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٠١ - التوافق المزعوم بين المصالح العامة والمصالح الذاتية
الآخرين ، فيهبط بأجورهم إلى مستوى قد لا يحفظ لهم حياتهم ، ولا يمكّنهم حتى من إشباع بعض ضروراتهم ، كما قد يقذف بعدد هائل منهم إلى الشارع يقاسون آلام الموت جوعاً ؛ لا لشيءٍ إلاّ لأنّه يتمتّع بحرّية غير محدودة ، ولا بأس على العمّال من الدمار والموت جوعاً ، ما دام الاقتصاد الرأسمالي يقدّم لهم بصيصاً من الأمل ، وكوّة من نور . ولكن ما هو هذا الأمل الذي يبعثه في نفوسهم ؟ إنّه هو الأمل في انخفاض عددهم بسبب تراكم البؤس والمرض ، إيْ والله ، إنّ هذا هو الأمل الذي يقدّمه القانون الحديدي للأجور إلى العمّال ، قائلاً لهم : اصبروا قليلاً حتى يصرع الجوع والبؤس قسماً كبيراً منكم فيقلّ عددكم ويصبح العرض مساوياً للطلب فترتفع أجوركم وتتحسّن حالتكم .
هذا هو التوافق الأسطوري المزعوم بين الدوافع الذاتية في ظلّ الحرّية الرأسمالية والمصالح العامة . هذا التوافق الذي اضطرّ الرأسماليون أنفسهم إلى التنازل عن الإيمان به والاتجاه إلى فكرة تحديد الحرّية بالقيم والضمانات .
وإذا كان هذا هو حظّ الحياة الاقتصادية في المجتمع الرأسمالي من الحرّية الرأسمالية وآثارها فإنّ ما يصيب المحتوى الروحي للأمّة من شرارة تلك الحرّية المجرّدة أقسى وأمرّ ؛ حيث تتلاشى بصورة عامة مشاعر البرّ والخير والإحسان ، وتطغى مفاهيم الأنانية والجشع ، وتسود في المجتمع روح الصراع في سبيل البقاء ، بدلاً عن روح التعاون والتكافل . وما ظنّك بفردٍ يتجاوب مع المفهوم المطلق للحرّية الرأسمالية ، إذا تطلبت منه القيم الخُلُقية والموقف الاجتماعي شيئاً من المفاداة والتضحية بمصالحه الخاصة ؟! وحتى إذا دفعته مصلحته الخاصة أحياناً إلى تحقيق المصالح العامة بوصفها في صالحه أيضاً ، فإنّ هذا وإن كان قد يؤدّي إلى نفس النتيجة التي تستهدفها القيم الروحية والخلقية من ناحية موضوعية ، ولكنّها لا تحقّق الجانب الذاتي من تلك القيم ، ولا تصنع من الإنسان إنساناً في