الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٠٨ - غارات عمير بن الحباب على كلب
و ليكن شعاركم: «نحن عباد اللّه حقّا حقّا» [١]. فبيّتهم فقتل فيهم فأوجع. و انقلب عمير حين أصبح، إلى عسكره، حتى إذا أشرف على عسكره رأى ما أنكره من كثرة السّواد،/ فقال لأصحابه: إني أرى شيئا ما أعرفه، و ما هو بالذي خلفنا، فلما رآهم ابن بحدل قال لأصحابه: احملوا عليهم، فقتل من الفريقين جميعا [٢]، فقال ابن مخلاة:
لقد طار في الآفاق أنّ ابن بحدل
حميدا شفى كلبا فقرّت عيونها
و قال منذر بن حسّان:
و بادية الجواعر من نمير
تنادي و هي سافر النّقاب
تنادي بالجزيرة: يا لقيس
و قيس بئس فتيان الضّراب
قتلنا منهم مائتين صبرا
و ألفا بالتّلاع و بالرّوابي
و أفلتنا هجين بني سليم
يفدّي المهر من حبّ الإياب
فلو لا اللّه و المهر المفدّى
لغودر و هو غربال الإهاب
ثم سار عمير، و جمع لهم أكثر ممّا كان تجمّع، فأغار عليهم، فقتل منهم مقتلة، و استاق الغنائم و سبى. فلمّا سمعت كلب بإيقاعه تحمّلت من منازلها هاربة منه، فلم يبق منهم أحد في موضع يقدر عمير على الغارة عليه إلّا أن يخوض إليهم غيرهم من الأحياء، و يخلّف مدائن الشّام خلف ظهره، و صاروا جميعا إلى الغوير [٣]، فقال عمير في ذلك:
بشّر بني القين بطعن شرج [٤]
يشبع أولاد الضّباع العرج
/ ما زال إمراري لهم و نسجي
و عقبتي للكور بعد السّرج
حتّى اتّقونى بالظّهور الفلج
هل أجزين يوما بيوم المرج
و يوم دهمان و يوم هرج
/ و قال رجل من نمير:
أخذت نساء عبد اللّه قهرا
و ما أعفيت نسوة آل كلب
صبحناهم بخيل مقربات [٥]
و طعن لا كفاء له و ضرب
يبكّين ابن عمرو و هو تسفي
عليه الرّيح تربا بعد ترب
و سعد قد دنا منه حمام
بأسمر من رماح الخطّ صلب
و قد قالت أمامة إذ رأتني:
بليت و ما لقيت لقاء صحب
و قد فقدت معانقتي زمانا
و شدّ المعصمين فويق حقب
[١] ج: حقا، دون تكرار.
[٢] س «فقتل من الفريقين جمعا».
[٣] ج «الغورية».
[٤] بطعن شرج: شديد، من قولهم: شرجت العيبة: شددتها بالشرج، و هي العرى: ( «اللسان» شرج).
[٥] المقربة: الفرس التي تدنى و تقرب و تكرم و لا تترك.