الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٢٤ - جرير يحاول مصالحته و لكن جندلا يسيء إليه
حمدن مزاره و لقين منه
عطاء لم يكن عدة ضمارا
يقضي للفرزدق على جرير
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدثنا الحسن [١] بن الحسين السكّريّ عن الرّياشيّ/ عن الأصمعيّ، قال:
و ذكره المغيرة بن حجناء قال: حدّثني أبي عن أبيه قال:
كان راعي الإبل يقضي للفرزدق على جرير و يفضّله، و كان راعي الإبل قد ضخم أمره، و كان من أشعر النّاس، فلما أكثر من ذلك خرج جرير إلى رجال من قومه فقال: أ لا تعجبون لهذا الرّجل الذي يقضي للفرزدق عليّ و يفضّله [٢] و هو يهجو قومه و أنا أمدحهم؟ قال جرير:
جرير يحاول مصالحته و لكن جندلا يسيء إليه
ثم ضربت رأيي فيه، فخرجت ذات يوم أمشي إليه. قال: و لم يركب جرير دابّته، و قال: و اللّه ما يسرّني أن يعلم أحد بسيري إليه. قال: و كان لراعي الإبل و للفرزدق و جلسائهما حلقة بأعلى المربد بالبصرة يجلسون فيها.
قال: فخرجت أتعرّض لها لألقاه من حيال [٣] حيث كنت أراه.
/ ثمّ إذا انصرف من مجلسه لقيته، و ما يسرني أن يعلم أحد، حتى إذا هو قد مرّ على بغلة له، و ابنه [٤] جندل يسير وراءه راكبا مهرا له أحوى محذوف الذّنب و إنسان يمشي معه و يسأله عن بعض السّبب، فلما استقبلته قلت له:
مرحبا بك يا أبا جندل. و ضربت بشمالي إلى معرفة [٥] بغلته، ثم قلت: يا أبا جندل، إنّ قولك يستمع، و إنك تفضّل عليّ الفرزدق تفضيلا قبيحا، و أنا أمدح قومك و هو يهجوهم، و هو ابن عمّي، و ليس منك، و لا عليك كلفة في أمري معه، و قد يكفيك من ذلك هيّن، و أن تقول إذا ذكرنا: كلاهما شاعر كريم، فلا تحمل منه لائمة و لا منّي، قال: فبينا أنا و هو كذلك، و هو واقف عليّ لا يردّ جوابا لقولي، إذ لحق بالرّاعي ابنه جندل، فرفع كرمانيّة معه، فضرب [٦] بها عجز بغلته، ثم قال: أراك واقفا على كلب بني [٧] كليب، كأنّك تخشى منه شرّا أو ترجو منه خيرا، فضرب [٨] البغلة ضربة شديدة، فزحمتني زحمة وقعت منها قلنسوتي. فو اللّه لو يعوج عليّ الرّاعي لقلت: سفيه غوىّ- يعني جندلا ابنه- و لكنه لا و اللّه ما عاج عليّ، فأخذت قلنسوتي فمسحتها و أعدتها على رأسي و قلت:
أ جندل ما تقول بنو نمير
إذا ما الأير في است أبيك غابا؟
قال: فسمعت الرّاعي يقول لابنه: أما و اللّه لقد طرحت قلنسوته طرحة مشئومة، قال جرير: و لا و اللّه ما كانت القلنسوة بأغيظ أمره إليّ لو كان عاج عليّ.
[١] ب، س «يحيى بن الحسين».
[٢] «و يفضله» تكملة من ف و «المختار».
[٣] من حيال: من قبالته.
[٤] ب، س «فواثبه جندل يسير وراءه».
[٥] المعرفة: موضع شعر العنق.
[٦] «التجريد»: «فضرب عجز بغلة أبيه».
[٧] خد «أراك واقفا على كلب من كليب».
[٨] «التجريد»: «و لما ضرب البغلة زحمت جريرا فسقطت عن رأسه قلنسيته».