الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٣٠٤ - ٢- حديث الإفك
المنزل، و ظنت أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها، و اللّه غالب على أمره، يدبر الأمر، فوق عرشه كما يشاء، فغلبتها عيناها، فنامت، فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن المعطل:
إنا للّه و إنا إليه راجعون، زوجة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)؛- و كان صفوان قد عرس في أخريات الجيش لأنه كان كثير النوم، فلما رآها عرفها، و كان يراها قبل نزول الحجاب، فاسترجع و أناخ راحلته، فقربها إليها، فركبتها، و ما كلمها كلمة واحدة، و لم تسمع منه إلا استرجاعه، ثم سار بها يقودها، حتى قدم بها، و قد نزل الجيش في نحر الظهيرة، فلما رأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته، و ما يليق به، و وجد الخبيث عدو اللّه ابن أبي متنفسا، فتنفس من كرب النفاق و الحسد الذي بين ضلوعه، فجعل يستحكي الإفك، و يستوشيه، و يشيعه، و يذيعه، و يجمعه، و يفرقه، و كان أصحابه يتقربون به إليه، فلما قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ساكت لا يتكلم، ثم استشار أصحابه- لما استلبث الوحي طويلا- في فراقها، فأشار عليه علي رضي اللّه عنه أن يفارقها، و يأخذ غيرها، تلويحا لا تصريحا، و أشار عليه أسامة و غيره بإمساكها، و أن لا يلتفت إلى كلام الأعداء، فقدم على المنبر يستندر من عبد اللّه بن أبي، فأظهر أسيد بن حضير سيد الأوس رغبته في قلبه، فأخذت سعد بن عبادة- سيد الخزرج و هي قبيلة ابن أبي- الحمية القبلية، فجرى بينهما كلام تثاور له الحيان، فخفضهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى سكتوا و سكت.
أما عائشة، فلما رجعت مرضت شهرا، و هي لا تعلم عن حديث الإفك شيئا، سوى أنها كانت لا تعرف من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) اللطف الذي كانت تعرفه حين تشتكي، فلما نقهت خرجت مع أم مسطح إلى البراز ليلا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فدعت على ابنها، فاستنكرت ذلك عائشة منها، فأخبرتها الخبر، فرجعت عائشة و استأذنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، لتأتي أبويها و تستيقن الخبر، ثم أتتهما بعد الإذن حتى عرفت جلية الأمر، فجعلت تبكي، فبكت ليلتين و يوما، لم تكن تكتحل بنوم، و لا يرقأ لها دمع، حتى ظنت أن البكاء فاتق كبدها، و جاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في ذلك، فتشهد و قال: «أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا و كذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك اللّه، و إن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه و توبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب إلى اللّه تاب اللّه عليه».
و حينئذ قلص دمعها، و قالت لكل من أبويها أن يجيبا، فلم يدريا ما يقولان، فقالت:
و اللّه لقد علمت، لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، و صدقتم به، فلئن قلت لكم:
إني بريئة- و اللّه يعلم أني بريئة- لا تصدقوني بذلك، و لئن اعترفت لكم بأمر- و اللّه يعلم إني منه