الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ١١١ - ٦- البشارات بالنجاح
و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) نفسه يقوم بمثل هذه البشارات بين آونة و أخرى، فكان إذا وافى الموسم، و قام بين الناس في عكاظ و مجنة و ذي المجاز، لتبليغ الرسالة، لم يكن يبشرهم بالجنة فحسب، بل يقول لهم بكل صراحة، يا أيها الناس قولوا لا إله إلا اللّه تفلحوا، و تملكوا بها العرب، و تدين لكم بها العجم، فإذا متم كنتم ملوكا في الجنة [١].
و قد أسلفنا ما أجاب به النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) عتبة بن ربيعة حين أراد مساومته على رغائب الدنيا، و ما فهمه و رجاه عتبة من ظهور أمره عليه الصلاة و السلام.
و كذلك ما أجاب به النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) آخر وفد جاء إلى أبي طالب، فقد صرح لهم أنه يطلب منهم كلمة واحدة يعطونها، تدين لهم العرب، و يملكون العجم.
قال خباب بن الأرت: أتيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو متوسد برده، و هو في ظل الكعبة، و قد لقينا من المشركين شدة، فقلت: أ لا تدعو اللّه، فقعد، و هو محمر وجهه، فقال: لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم و عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، و ليتمن اللّه هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف إلا اللّه- زاد بيان الراوي- و الذئب على غنمه [٢] و في رواية و لكنكم تستعجلون [٣].
و لم تكن هذه البشارات مخفية مستورة، بل كانت فاشية مكشوفة، يعلمها الكفرة، كما كان يعلمها المسلمون، حتى كان الأسود بن المطلب و جلساؤه إذا رأوا أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) تغامزوا بهم، و قالوا: قد جاءكم ملوك الأرض، سيغلبون على ملوك كسرى و قيصر، ثم يصفرون و يصفقون [٤].
و أمام هذه البشارات بالمستقبل المجيد المستنير في الدنيا، مع ما فيه من الرجاء الصالح الكبير البالغ إلى النهاية في الفوز بالجنة، كان الصحابة يرون أن الاضطهادات التي تتوالى عليهم من كل جانب، و المصائب التي تحيط بهم من كل الأرجاء، ليست إلا:
«سحابة صيف عن قليل تقشع».
[١] رواه الترمذي و قد مضى مرارا.
[٢] صحيح البخاري ١/ ٥٤٣.
[٣] نفس المصدر ١/ ٥١٠.
[٤] فقه السيرة ص ٨٤.