الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٨٨ - فكرة الطغاة في إعدام النبي
نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه، مرعوبا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، و قامت إليه رجال قريش فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، لا و اللّه ما رأيت مثل هامته، و لا مثل قصرته و لا أنيابه لفحل قط، فهمّ بي أن يأكلني.
قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: ذلك جبريل (عليه السلام) لو دنا لأخذه [١].
و بعد ذلك فجعل أبو جهل برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، ما أدى إلى إسلام حمزة رضي اللّه عنه و سيأتي.
أما طغاة قريش فلم تزل فكرة الإعدام تنضج في قلوبهم، روى ابن إسحاق عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: حضرتهم و قد اجتمعوا في الحجر، فذكروا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، فبينا هم كذلك إذ طلع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت، فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فلما مرّ بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مرّ بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف ثم قال: «أ تسمعون يا معشر قريش، أما و الذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح»، فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع حتى إن أشدهم فيه ليرفؤه بأحسن ما يجد، و يقول: انصرف يا أبا القاسم، فو اللّه ما كنت جهولا.
فلما كان الغد اجتمعوا كذلك يذكرون أمره إذ طلع عليهم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، و أحاطوا به، فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع ردائه، و قام أبو بكر دونه، و هو يبكي و يقول: أ تقتلون رجلا أن يقول ربي اللّه؟ ثم انصرفوا عنه. قال ابن عمرو: فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشا نالوا منه، قط [٢]. انتهى ملخصا.
و في رواية البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت ابن عمرو بن العاص أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، قال: بينا النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ
[١] ابن هشام ١/ ٢٩٨- ٢٩٩.
[٢] ابن هشام ١/ ٢٨٩- ٢٩٠.