الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٧٥ - الاضطهادات
اتخذوا هذا القرار و صمموا على تنفيذه. أما بالنسبة إلى المسلمين- و لا سيما المستضعفين منهم- فكان ذلك سهلا جدا. و أما بالنسبة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فإنه كان رجلا شهما وقورا ذا شخصية فذة، تتعاظمه نفوس الأعداء و الأصدقاء، بحيث لا يقابل مثلها إلا بالإجلال و التشريف، و لا يجترئ على اقتراف الدنايا و الرذائل ضده إلا أرذال الناس و سفهاؤهم، و مع ذلك كان في منعة أبي طالب، و أبو طالب من رجال مكة المعدودين، كان معظما في أصله، معظما بين الناس، فما يجسر أحد على إخفار ذمته و استباحة بيضته، إن هذا الوضع أقلق قريشا و أقامهم و أقعدهم، و لكن إلام هذا الصبر الطويل أمام دعوة تتشوف إلى القضاء على زعامتهم الدينية، و صدارتهم الدنيوية.
و بدءوا الاعتدءات ضد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و على رأسهم أبو لهب، فقد اتخذ موقفه هذا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) منذ اليوم الأول قبل أن تهم قريش بذلك. و قد أسلفنا ما فعل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في مجلس بني هاشم، و ما فعل على الصفا، و قد ورد في بعض الروايات أنه- حينما كان على الصفا- أخذ حجرا ليضرب به النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) [١].
و كان أبو لهب قد زوج ولديه عتبة و عتيبة ببنتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رقية و أم كلثوم قبل البعثة، فلما كانت البعثة أمرهما بتطليقهما بعنف و شدة، حتى طلقاهما [٢].
و لما مات عبد اللّه- الابن الثاني لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)- استبشر أبو لهب، و هرول إلى رفقائه يبشرهم بأن محمدا صار أبتر [٣].
و قد أسلفنا أن أبا لهب كان يجول خلف النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في موسم الحج و الأسواق لتكذيبه، و قد روى طارق بن عبد اللّه المحاربي ما يفيد أنه كان لا يقتصر على التكذيب، بل كان يضربه بالحجر حتى يدمي عقباه [٤].
و كانت امرأة أبي لهب- أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان- لا تقل عن زوجها في عداوة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقد كانت تحمل الشوك و تضعه في طريق النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و على بابه ليلا، و كانت امرأة سليطة تبسط فيه لسانها، و تطيل عليه الافتراء و الدس، و تؤجج نار الفتنة، و تثير حربا شعواء على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و لذلك وصفها القرآن بحمالة الحطب.
و لما سمعت ما نزل فيه و في زوجها من القرآن أتت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو جالس في
[١] روى ذلك الترمذي.
[٢] في ظلال القرآن ٣٠/ ٢٨٢، تفهيم القرآن ٦/ ٥٢٢.
[٣] تفهيم القرآن ٦/ ٤٩٠.
[٤] جامع الترمذي.