الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٤٩ - حرب الفجار
يستسقي الغمام بوجهه
أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكة و هم في قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب! أقحط الوادي، و أجدب العيال، فهلم فاستسق، فخرج أبو طالب و معه غلام، كأنه شمس دجن، تجلت عنه سحابة قثماء، حوله أغيلمة، فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، و لاذ بإصبعه الغلام، و ما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من هاهنا و هاهنا، و أغدق و اغدودق، و انفجر الوادي و أخضب النادي و البادي، و إلى هذا أشار أبو طالب حين قال:
و أبيض يستسقي الغمام بوجهه* * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل [١]
بحيرا الراهب
و لما بلغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) اثنتي عشرة سنة- قيل و شهرين و عشرة أيام [٢]- ارتحل به أبو طالب تاجرا إلى الشام، حتى وصل إلى بصرى- و هي معدودة من الشام و قصبة لحوران، و كانت في ذلك الوقت قصبة للبلاد العربية التي كانت تحت حكم الرومان- و كان في هذا البلد راهب عرف ببحيرا و اسمه جرجيس فلما نزل الركب خرج إليهم، و أكرمهم بالضيافة، و كان لا يخرج إليهم قبل ذلك و عرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بصفته، فقال و هو آخذ بيده: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه اللّه رحمة للعالمين. فقال أبو طالب: و ما علمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر و لا شجر إلا و خرّ ساجدا، و لا تسجد إلا لنبي، و إني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة، و إنا نجده في كتبنا، و سأل أبا طالب أن يرده، و لا يقدم به إلى الشام، خوفا عليه من اليهود، فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى مكة [٣].
حرب الفجار
و لخمس عشرة من عمره (صلّى اللّه عليه و سلم) كانت حرب الفجار بين قريش و من معهم من كنانة و بين قيس عيلان، و كان قائد قريش و كنانة كلها حرب بن أمية لمكانته فيهم سنا و شرفا، و كان
[١] مختصر سيرة الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم) للشيخ عبد اللّه النجدي ص ١٥، ١٦.
[٢] قاله ابن الجوزي في تلقيح فهوم أهل الأثر ص ٧.
[٣] مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد اللّه النجدي ص ١٦، و ابن هشام ١/ ١٨٠، ١٨١، ١٨٢، ١٨٣، و وقع في كتاب الترمذي و غيره أنه بعث معه بلالا (تحفة الأحوذي) و هو من الغلط الواضح، فإن بلالا إذ ذاك لعله لم يكن موجودا، و إن كان موجودا فلم يكن مع عمه و لا مع أبي بكر. زاد المعاد ١/ ١٧.