الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٤٣٨ - ١١- ميمونة بنت الحارث
حتى تولى اللّه ذلك النكاح بنفسه يقول: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً [الأحزاب: ٣٧] و ذلك ليهدم قاعدة التبني فعلا كما هدمها قولا: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ.
[الأحزاب: ٥]. ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠].
و كم من التقاليد المتأصلة الجازمة لا يمكن هدمها أو تعديلها لمجرد القول، بل لا بد له من مقارنة فعل صاحب الدعوة، و يتضح ذلك بما صدر من المسلمين في عمرة الحديبية، كان هناك أولئك المسلمون الذين رآهم عروة بن مسعود الثقفي، لا يقع من النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) نخامة إلا في يد أحدهم، و رآهم يتبادرون إلى وضوئه حتى كادوا يقتتلون عليه، نعم كان أولئك الذين تسابقوا إلى البيعة على الموت أو على عدم الفرار تحت الشجرة، و الذين كان فيهم مثل أبو بكر و عمر، لما أمر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أولئك الصحابة المتفانين في ذاته- بعد عقد الصلح- أن يقوموا فينحروا هداهم لم يقم لامتثال أمره أحد، حتى أخذه القلق و الاضطراب، و لكن لما أشارت عليه أم سلمة أن يقوم إلى هديه فينحر، و لا يكلم أحدا ففعل، تبادر الصحابة إلى اتّباعه في فعله، فتسابقوا إلى نحر جزورهم. و بهذا الحادث يتضح جليا ما هو الفرق بين أثري القول و الفعل لهدم قاعدة راسخة.
و قد أثار المنافقون وساوس كثيرة، و قاموا بدعايات كاذبة واسعة حول هذا النكاح، أثر بعضها في ضعفاء المسلمين، لا سيما أن زينب كانت خامسة أزواجه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و لم يكن يعرف المسلمون حل الزواج بأكثر من أربع نسوة، و أن زيدا كان يعتبر ابنا للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و الزواج بزوجة الابن كان من أغلظ الفواحش، و قد أنزل اللّه في سورة الأحزاب حول الموضوعين ما شفى و كفى، و علم الصحابة أن التبني ليس له أثر عند الإسلام، و أن اللّه تعالى وسع لرسوله (صلّى اللّه عليه و سلم) في الزواج ما لم يوسع لغيره لأغراضه النبيلة الممتازة.
هذا، و كانت عشرته (صلّى اللّه عليه و سلم) مع أمهات المؤمنين في غاية الشرف و النبل و السمو و الحسن، كما كن في أعلى درجة من الشرف و القناعة و الصبر و التواضع و الخدمة و القيام بحقوق الزواج، مع أنه كان في شظف من العيش لا يطيقه أحد. قال أنس: ما أعلم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) رأى رغيفا مرققا حتى لحق باللّه، و لا رأى شاة سميطا بعينه قط [١]. و قالت
[١] صحيح البخاري ٢/ ٩٥٦.