الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٤٣٦ - ١١- ميمونة بنت الحارث
النضرية أو القرظية، كانت من سبايا قريظة، فاصطفاها لنفسه، و قيل: بل هي من أزواجه (صلّى اللّه عليه و سلم)، أعتقها فتزوجها. و القول الأول رجحه ابن القيم. و زاد أبو عبيدة اثنتين أخريين، جميلة أصابها في بعض السبي، و جارية و هبتها له زينب بنت جحش [١].
و من نظر إلى حياة الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم) عرف جيدا أن زواجه بهذا العدد الكثير من النساء في أواخر عمره بعد أن قضى ما يقارب ثلاثين عاما من ريعان شبابه و أجود أيامه مقتصرا على زوجة واحدة شبه عجوز- خديجة ثم سودة- عرف أن هذا الزواج لم يكن لأجل أنه وجد بغتة في نفسه قوة عارمة من الشبق، لا يصبر معها إلا بمثل هذا العدد الكثير من النساء؛ بل كانت هناك أغراض أخرى أجل و أعظم من الغرض الذي يحققه عامة الزواج.
فاتجاه الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى مصاهرة أبي بكر و عمر بزواجه بعائشة و حفصة- و كذلك تزويجه ابنته فاطمة بعلي بن أبي طالب، و تزويجه ابنته رقية ثم أم كلثوم بعثمان بن عفان- يشير إلى أنه يبغي من وراء ذلك توثيق الصلات بالرجال الأربعة، الذين عرف بلاءهم و فداءهم للإسلام في الأزمات التي مرت به، و شاء اللّه أن يجتازها بسلام.
و كان من تقاليد العرب الاحترام للمصاهرة، فقد كان الصهر عندهم بابا من أبواب التقرب بين البطون المختلفة، و كانوا يرون مناوأة و محاربة الأصهار سبة و عارا على أنفسهم، فأراد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بزواج عدة من أمهات المؤمنين أن يكسر سورة عداء القبائل للإسلام، و يطفئ حدة بغضائها، كانت أم سلمة من بني مخزوم- حي أبي جهل و خالد بن الوليد- فلما تزوجها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لم يقف خالد من المسلمين موقفه الشديد بأحد، بل أسلم بعد مدة غير طويلة طائعا راغبا، و كذلك أبو سفيان لم يواجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بأي محاربة بعد زواجه بابنته أم حبيبة، و كذلك لا نرى من قبيلتي بني المصطلق و بني النضير أي استفزاز و عداء بعد زواجه بجويرية و صفية؛ بل كانت جويرية أعظم النساء بركة على قومها، فقد أطلق الصحابة أسر مائة بيت من قومها حين تزوجها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و قالوا:
أصهار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم). و لا يخفى ما لهذا المن من الأثر البالغ في النفوس.
و أكبر من كل ذلك و أعظم أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) كان مأمورا بتزكية و تثقيف قوم لم يكونوا يعرفون شيئا من آداب الثقافة و الحضارة و التقيد بلوازم المدينة، و المساهمة في بناء المجتمع و تعزيزه.
[١] انظر زاد المعاد: ١/ ٢٩.