الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٤٢٧ - قبل الوفاة بخمسة أيام
الأسبوع الأخير
و ثقل برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) المرض، فجعل يسأل أزواجه: «أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟» ففهمن مراده، فأذن له يكون حيث شاء، فانتقل إلى عائشة، يمشي بين الفضل بن عباس و علي بن أبي طالب، عاصبا رأسه تخط قدماه حتى دخل بيتها، فقضى عندها آخر أسبوع من حياته.
و كانت عائشة تقرأ بالمعوذات و الأدعية التي حفظتها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فكانت تنفث على نفسه، و تمسحه بيده رجاء البركة.
قبل الوفاة بخمسة أيام
و يوم الأربعاء قبل خمسة أيام من الوفاة، اتقدت حرارة العلة في بدنه، فاشتد به الوجع و غمي، فقال: «هريقوا علي سبع قرب من آبار شتى، حتى أخرج إلى الناس، فأعهد إليهم» فأقعدوه في مخضب، و صبوا عليه الماء، حتى طفق يقول: «حسبكم، حسبكم».
و عند ذلك أحس بخفة، فدخل المسجد- و هو معصوب الرأس- حتى جلس على المنبر، و خطب الناس- و الناس مجتمعون حوله- فقال:
«لعنة اللّه على اليهود و النصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»- و في رواية «قاتل اللّه اليهود و النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد [١]- و قال: لا تتخذوا قبري وثنا يعبد» [٢].
و عرض نفسه للقصاص قائلا: «من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه، و من كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه».
ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع فجلس على المنبر، و عاد لمقالته الأولى في الشحناء و غيرها، فقال رجل: إن لي عندك ثلاثة دراهم، فقال: أعطه يا فضل، ثم أوصى بالأنصار قائلا:
«أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي و عيبتي، و قد قضوا الذي عليهم، و بقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، و تجاوزوا عن مسيئهم» و في رواية أنه قال: «إن الناس يكثرون، و تقل الأنصار، حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمرا يضر فيه أحدا أو ينفعه
[١] صحيح البخاري ١/ ٦٢، موطأ الإمام مالك ص ٣٦٠.
[٢] موطأ الإمام مالك ص ٦٥.