الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٤٢٢ - حجة الوداع
و قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب اللّه [١]».
«أيها الناس، إنه لا نبيّ بعدي، و لا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم، و صلوا خمسكم، و صوموا شهركم، و أدوا زكاة أموالكم، طيبة بها أنفسكم، و تحجون بيت ربكم، و أطيعوا أولات أمركم، تدخلوا جنة ربكم [٢]».
«و أنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت و أديت و نصحت.
فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، و ينكتها إلى الناس: «اللهم اشهد». ثلاث مرات [٣].
و كان الذي يصرخ في الناس بقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)- و هو بعرفة- ربيعة بن أمية بن خلف [٤].
و بعد أن فرغ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) من إلقاء الخطبة نزل عليه قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣] و عند ما سمعها عمر بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان [٥].
و بعد الخطبة أذن بلال ثم أقام، فصلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالناس الظهر، ثم أقام فصلى العصر، و لم يصلّ بينهما شيئا، ثم ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، و جعل جبل المشاة بين يديه، و استقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، و ذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، و أردف أسامة، و دفع حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب و العشاء بأذان واحد و إقامتين، و لم يسبّح بينهما شيئا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصل الفجر حتى تبين له الصبح بأذان و إقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه، و كبره، و هلله، و وحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا.
فدفع- من المزدلفة إلى منى- قبل أن تطلع الشمس، و أردف الفضل بن عباس حتى
[١] صحيح مسلم باب حجة النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) ١/ ٣٩٧.
(٢) معدن الأعمال، و رواه ابن ماجة و ابن عساكر، رحمة للعالمين ١/ ٢٦٣.
[٣] مسلم ١/ ٣٩٧.
[٤] ابن هشام ٢/ ٦٠٥.
[٥] رواه البخاري عن ابن عمر ... أنظر رحمة للعالمين ١/ ٢٦٥.