الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٤١٥ - ١٣- وفد بني حنيفة
الكذاب [١]- و هو مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب بن الحارث من بني حنيفة- نزل هذا الوفد في بيت رجل من الأنصار، ثم جاءوا إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) فأسلموا، و اختلفت الروايات في مسيلمة الكذاب، و يظهر بعد التأمل في جميعها أن مسيلمة صدر منه الاستنكاف و الأنفة و الاستكبار و الطموح إلى الإمارة، و أنه لم يحضر مع سائر الوفد إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) أراد استئلافه بالإحسان بالقول و الفعل أولا، فلما رأى أن ذلك لا يجدي فيه نفعا تفرس فيه الشر.
و كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) قد أري قبل ذلك في المنام أنه أتي بخزائن الأرض، فوقع في يديه سواران من ذهب، فكبرا عليه و أهماه، فأوحى إليه أن انفخهما، فنفخهما، فذهبا، فأولهما كذابين يخرجان من بعده، فلما صدر من مسيلمة ما صدر من الاستنكاف- و قد كان يقول:
إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته- جاءه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و في يده قطعة من جريد، و معه خطيبه ثابت بن قيس بن شماس، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فكلمه فقال له مسيلمة: إن شئت خلينا بينك و بين الأمر، ثم جعلته لنا بعدك، فقال: «لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، و لن تعدو أمر اللّه فيك، و لئن أدبرت ليعقرنك اللّه، و اللّه إني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت، و هذا ثابت يجيبك عني. ثم انصرف [٢].
و أخيرا وقع ما تفرس فيه النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم)، فإن مسيلمة لما رجع إلى اليمامة بقي يفكر في أمره، حتى ادعى أنه أشرك في الأمر مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم)، فادعى النبوة، و جعل يسجع السجعات، و أحل لقومه الخمر و الزنا، و هو مع ذلك يشهد لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أنه نبي، و افتتن به قومه فتبعوه، و أصفقوا معه، حتى تفاقم أمره، فكان يقال له رحمان اليمامة لعظم قدره فيهم.
و كتب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كتابا قال فيه: إني أشركت في الأمر معك، و إن لنا نصف الأمر، و لقريش نصف الأمر، فرد عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بكتاب قال فيه: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [٣].
و عن ابن مسعود قال: جاء ابن النواحة، و ابن أثال رسولا مسيلمة إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال
- نجران، حتى جنح بعض المحققين إلى أن وفادة و أهل نجران كانت مرتين، و قد ذكرنا- ملخصا- ما ترجح عندنا في هذا الوفد.
[١] فتح الباري ٨/ ٨٧.
[٢] انظر صحيح البخاري وفد بني حنيفة، و باب قصة الأسود العنسي ٢/ ٦٢٧، ٦٢٨ و فتح الباري ٨/ ٨٧ إلى ٩٣.
[٣] زاد المعاد ٣/ ٣١، ٣٢.