الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٤٠٢ - أثر الغزوة
الثلاثة، و جرت ضد هؤلاء الثلاثة مقاطعة شديدة، و تغير لهم الناس، حتى تنكرت لهم الأرض، و ضاقت عليهم بما رحبت، و ضاقت عليهم أنفسهم، و بلغت بهم الشدة أنهم بعد أن قضوا أربعين ليلة من بداية المقاطعة أمروا أن يعتزلوا نساءهم، حتى تمت على مقاطعتهم خمسون ليلة، ثم أنزل اللّه توبتهم وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا، إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: ١١٨].
و فرح المسلمون، و فرح الثلاثة فرحا لا يقاس مداه و غايته، فبشروا و أبشروا و استبشروا و أجازوا و تصدقوا، و كان أسعد يوم من أيام حياتهم.
و أما الذين حبسهم العذر فقد قال تعالى فيهم: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى الْمَرْضى وَ لا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ، الآيتين [التوبة: ٩١، ٩٢] و قال فيهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حين دنا من المدينة: «إن بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا، و لا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، حبسهم العذر»، قالوا: يا رسول اللّه، و هم بالمدينة؟ قال: و هم بالمدينة.
أثر الغزوة
و كان لهذه الغزوة أعظم أثر في بسط نفوذ المسلمين و تقويته على جزيرة العرب، فقد تبين للناس أنه ليس لأي قوة من القوات أن تعيش في العرب سوى قوة الإسلام، و بطلت بقايا أمل و أمنية كانت تتحرك في قلوب بقايا الجاهلين و المنافقين الذين كانوا يتربصون الدوائر بالمسلمين، و كانوا قد عقدوا آمالهم بالرومان، فقد استكانوا بعد هذه الغزوة، و استسلموا للأمر الواقع، الذي لم يجدوا عنه محيدا و لا مناصا.
و لذلك لم يبق للمنافقين أن يعاملهم المسلمون بالرفق و اللين، و قد أمر اللّه بالتشديد عليهم، حتى نهى عن قبول صدقاتهم، و عن الصلاة عليهم، و الاستغفار لهم، و القيام على قبرهم، و أمر بهدم و كرة دسهم و تامرهم التي بنوها باسم المسجد، و أنزل فيهم آيات افتضحوا بها افتضاحا تاما، لم يبق في معرفتهم بعدها أي خفاء، كأن الآيات قد نصت على أسمائهم لمن يسكن المدينة.
و يعرف مدى أثر هذه الغزوة من أن العرب و إن كانت قد أخذت في التوافد إلى