الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٣٢٧ - ٥- الكتاب إلى المنذر بن ساوي
هذا ما رآه أبو سفيان من أثر هذا الكتاب على قيصر، و قد كان من أثره عليه أنه أجاز دحية بن خليفة بن الكلبي، حامل كتاب الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم) بمال و كسوة، و لما كان دحية بحسمى في الطريق لقيه ناس من جذام، فقطعوها عليه، فلم يتركوا معه شيئا، فجاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قبل أن يدخل بيته، فأخبره، فبعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) زيد بن حارثة إلى حسمى، و هي وراء وادي القرى في خمسمائة رجل، فشن زيد الغارة على جذام، فقتل فيهم قتلا ذريعا، و استاق نعمهم و نساءهم، فأخذ من النعم ألف بعير، و من الشاء خمسة آلاف، و السبي مائة من النساء و الصبيان.
و كان بين النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و بين قبيلة جذام موادعة، فأسرع زيد بن رفاعة الجذامي أحد زعماء هذه القبيلة بتقديم الاحتجاج إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و كان قد أسلم هو و رجال من قومه و نصروا دحية حين قطع عليه الطريق، فقبل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) احتجاجه و أمر برد الغنائم و السبي.
و عامة أهل المغازي يذكرون هذه السرية قبل الحديبية، و هو خطأ واضح، فإن بعث الكتاب إلى قيصر كان بعد الحديبية. و لذا قال ابن القيم: هذا بعد الحديبية بلا شك [١].
٥- الكتاب إلى المنذر بن ساوي
و كتب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى المنذر بن ساوي حاكم البحرين كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، و بعث إليه العلاء بن الحضرمي بذلك الكتاب، فكتب المنذر إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أما بعد يا رسول اللّه، فإني قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب الإسلام و أعجبه، و دخل فيه، و منهم من كرهه، و بأرضي مجوس و يهود، فأحدث إلى في ذلك أمرك، فكتب إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
«بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللّه إلى المنذر بن ساوي، سلام عليك، فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو [٢]، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، أما بعد فإني أذكرك اللّه عز و جل، فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، و إنه من يطع رسلي، و يتبع أمرهم فقد أطاعني، و من نصح لهم فقد نصح لي، و إن رسلي قد أثنوا عليك خيرا، و إني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، و عفوت عن أهل الذنوب، فاقبل
[١] انظر زاد المعاد ٢/ ١٢٢، و حاشية تلقيح فهوم أهل الأثر ص ٢٩.
[٢] زاد المعاد ٣/ ٦١، ٦٢، و النص الذي أورده الدكتور حميد اللّه آخذا من صورة الكتاب الذي عثر عليه في الماضي القريب يختلف في كلمة واحدة، ففيه «لا إله غيره» بدل قوله: «لا إله إلا هو».