الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٣٢٦ - ٤- الكتاب إلى قيصر ملك الروم
ثم قال: أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ فقلت: هو فينا ذو نسب، قال:
فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟
قلت: لا. قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أ يزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، قلت: لا. قال: فهل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟
قلت: لا، و نحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها- قال: و لم تمكنني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة- قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟
قلت: الحرب بيننا و بينه سجال، ينال منا و ننال منه. قال: ما ذا يأمركم؟ قلت: يقول:
اعبدوا اللّه وحده، و لا تشركوا به شيئا، و اتركوا ما يقول آباؤكم، و يأمرنا بالصلاة و الصدق و العفاف و الصلة. فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، و كذلك الرسل تبعث في نسب من قومها، و سألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله، فذكرت أن لا. قلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله، و سألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا، فقلت: فلو كان من آبائه من ملك قلت:
رجل يطلب ملك أبيه، و سألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال: فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، و يكذب على اللّه، و سألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، و هم أتباع الرسل، و سألتك أ يزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، و كذلك أمر الإيمان حتى يتم، و سألتك أ يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، و كذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، و سألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، و كذلك الرسل لا تغدر، و سألتك بما ذا يأمر؟
فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا اللّه، و لا تشركوا به شيئا، و ينهاكم عن عبادة الأوثان، و يأمركم بالصلاة و الصدق و العفاف، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، و قد كنت أعلم أنه خارج، و لم أكن أظنه أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، و لو كنت عنده لغسلت عن قدميه، ثم دعا بكتاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقرأه، فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، و كثر اللغط، و أمر بنا فأخرجنا، قال: فقلت لأصحابه حين أخرجنا، لقد أمرّ أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر، فما زلت موقنا بأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أنه سيظهر حتى أدخل اللّه على الإسلام [١].
[١] صحيح البخاري ١/ ٤، صحيح مسلم ٢/ ٩٧، ٩٨، ٩٩.